محمود الطاهر
اليمن جبهة في المعركة الإيرانية

لم يكن إعلان جماعة الحوثي الدخول في الحرب إلى جانب إيران حدثًا عابرًا أو مجرد موقف إعلامي، بل جاء كتحول سياسي وعسكري يعكس طبيعة العلاقة الحقيقية بين الجماعة وطهران، ويكشف أن اليمن بات جزءًا من مسرح العمليات المرتبط بالحرب الإقليمية، وليس مجرد ساحة صراع داخلية كما كان يُنظر إليها خلال السنوات الماضية.

اللافت في توقيت الإعلان، أن الجماعة كانت قد أصدرت بيانًا قبل أقل من أربع وعشرين ساعة تحدثت فيه عن شروط محتملة للدخول في الحرب، من بينها دخول تحالفات أخرى إلى جانب إيران، وتفعيل عمليات عسكرية من البحر الأحمر، وهو ما عكس حينها حالة تردد واضحة في الزج بنفسها في المواجهة المباشرة، غير أن التراجع السريع عن تلك الشروط والإعلان المفاجئ عن الدخول في الحرب دون تحققها يكشف بوضوح أن قرار المشاركة لم يكن قرارًا محليًا خالصًا، بل جاء ضمن إدارة إيرانية موحدة لجبهات المواجهة في المنطقة.

هذا التحول يعزز فرضية، أن طهران بدأت فعليًا في تفعيل أذرعها العسكرية الإقليمية لفتح جبهات متعددة، بهدف تخفيف الضغط العسكري عنها، خاصة مع تزامن التحرك الحوثي مع تحركات قوى أخرى ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، وهو ما يشير إلى أن الجماعة باتت تتحرك ضمن غرفة عمليات إقليمية أكثر من كونها فاعلًا محليًا مستقلاً.

ورغم الإعلان الحوثي الصريح، فإن المشاركة العسكرية الفعلية لا تزال محدودة التأثير حتى الآن، إذ لم تُسجل عمليات نوعية قادرة على تغيير موازين الحرب أو تشكيل تهديد حقيقي مباشر للولايات المتحدة أو إسرائيل. 
ويبدو أن الجماعة تعاني من ضعف لوجستي واضح نتيجة الضغط العسكري الكبير على إيران، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للدعم العسكري والتقني، وهو ما جعل المشاركة حتى اللحظة أقرب إلى إعلان موقف سياسي وعسكري منها إلى تدخل عسكري حاسم.

التبعات الحقيقية لدخول الحوثي الحرب لن تظهر إلا إذا تمكنت الجماعة من تنفيذ عمليات مؤثرة في البحر الأحمر أو استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية أو توسيع دائرة الضربات باتجاه دول الخليج العربي أو القواعد العسكرية في المنطقة، فحينها قد تتحول اليمن إلى ساحة ضربات جوية مباشرة، وقد نشهد عمليات عسكرية واسعة تستهدف البنية التحتية العسكرية للحوثيين داخل الأراضي اليمنية.

أما مضيق باب المندب والبحر الأحمر، فلا يبدو أنهما مهددان بالإغلاق الكامل في الوقت الحالي، لأن الحوثيين يفتقرون إلى القدرة اللوجستية الكافية لتنفيذ عمليات واسعة ومستدامة دون دعم إيراني مباشر، لكن هذا السيناريو قد يتغير في حال تمكنت طهران من إعادة تفعيل قنوات الدعم أو إيجاد طرق بديلة لإمداد الجماعة بالسلاح والتقنيات العسكرية، لأن البحر الأحمر يمثل في هذه الحالة ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي وخطوط الملاحة الدولية.

القراءة العسكرية تشير أيضًا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تضعان الحوثيين في صدارة بنك الأهداف في هذه المرحلة، إذ تتركز الأولوية على استهداف القدرات الإيرانية داخل إيران نفسها، وهو ما يجعل فتح جبهة اليمن الآن أمرًا غير مستعجل عسكريًا، خاصة إذا لم يشكل الحوثي تهديدًا مباشرًا ومؤثرًا.

ومع ذلك، فإن استمرار الجماعة في إعلان المشاركة ورفع مستوى التصعيد قد يدفع واشنطن أو تل أبيب إلى إعادة تقييم الموقف، خصوصًا إذا تحولت الهجمات إلى تهديد فعلي للملاحة الدولية أو القواعد العسكرية في المنطقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضربات استباقية داخل اليمن.

في المجمل، يمكن القول إن دخول الحوثيين في الحرب يمثل رسالة سياسية وعسكرية لإظهار الاصطفاف الكامل مع إيران أكثر من كونه تدخلًا عسكريًا حاسمًا في هذه المرحلة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر كبيرة على اليمن، لأنه ينقلها من دائرة الصراع الداخلي إلى قلب الصراع الإقليمي، ويجعلها جزءًا من معادلة الردع والضغط بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط.

اليمن اليوم تقف على حافة تحول خطير؛ فإما أن يبقى الحوثي في إطار التصعيد الإعلامي المحدود، وإما أن تتحول البلاد إلى جبهة مفتوحة في الحرب الإقليمية، وعندها لن يكون الثمن سياسيًا فقط، بل سيكون ثمنًا اقتصاديًا وعسكريًا وإنسانيًا سيدفعه اليمنيون قبل غيرهم.