قصة قصيرة
بدأت الحكاية بـ "زواج الشغار"، تلك المقايضة التي لا ترحم، كان أبي يعيش مع أمي حياة سعيدة يجمعهما الحب وأنا ، لكن فجأة قرر خالي الانفصال عن عمتي بعد زواج دام لمدة اربع سنوات ، فكان والدي ضحية لذاك العرف الذي كبّل حبه لأمي، وكان ضعيف امامه ،وأجبره على تمزيق رباطهما ، غادر الحب البيت، وبقيت أنا الطفل الذي لا يتجاوز عمره الثلاث السنوات الشاهد الوحيد على حلمٍ وُئد حياً..رفض خالي ان تأخذني أمي معها ،وتمسك بي جدي لأبي لأني ولدهم ،وبقت امي تتألم بصمت ،خذلها اكثر ضعف أبي .
تزوجت أمي من رجل آخر ، و تزوج والدي بأخرى، فاستحالت طفولتي جحيماً. صبّت زوجة أبي جام غضبها على جسدي الصغير، كانت تعاقبني لأتفه الاسباب ، وعندما اشتد عودي جعلتني خادماً لها في غياب أبي، كنت اترك مذاكرتي وواجباتي كي البي طلباتها ،
كانت أمي تتألم لحالي وهي تشعر بالعجز لعدم مقدرتها على مساعدتي بسبب ضغوطات خالي ،والمشاكل بين الاسرتين .
عندما كبرت كنت اشفق عليها ولم اكن احكي لها عما يحصل معي ..كنت اكذب عليها ان الامور تمام.
فليس كل ما يخرج من العين دموعاً أحياناً يخرج منها ما لم يتحمله القلب! فكنت اشفق عليها مما لا يتحمله قلبها.
صارحتني امي ذات يوم بأن ابي كان ضعيفا ولم يحارب لاجلها ولاجل حبهم وكان بمقدوره ان ياخذهما ويرحلا الى اي مكان لكنه امام جدي وامام العرف تنازل عنها بكل سهولة ..هي لا تلومه فقد اشترى طاعة ابيه، لكنه كان بمقدوره التحلي بالشجاعة والحفاظ على الكل .طلبت مني التحمل والصبر والتجلد لاصبح رجل ملئ ثيابي..وان لا يتحكم احد بقراري ...ولا يكون مصيري بيد احد .
هي ابدا لم تحرضني ضد أبي لكن كانت تحفزني لان اكون الاقوى في الدفاع عن حقي .
وبإستمرار قسوة زوجة ابي ذهبت تنسج حبال الوشاية، تارة بأني مهمل في دراستي، واني لا اقدرها واحترمها كأمي وهي تتعب لاجلي، وتارة اخرى اني اتعرض لاطفالها بالاذى ،حتى أقنعت والدي بطردي وأنا في ريعان الصبا، طالباً في المرحلة الإعدادية.
خرجتُ بكسرة روح ، وقفت في منتصف الطريق ،كأني في ممر مظلم ،رفضني خالي ، ورفضتني عمتي التي تسكن في بيت جدي ،وكانت تبث سمومها كالعقرب ،هي من كانت تحرض زوجة أبي أكثر عليٌ، تعتبرني وأمي سبب حملها وصف مطلقة.
كنت احمل مبلغ من المال في جيبي من أمي ، وفي قلبي وصيتها الخالدة: "اصبر وتجلد لتصبح رجلاً ملء ثيابك، ولا تترك مصيرك في يد أحد".
بحثت عن مأوى، وتشاركت مع شباب غرفة فكانت هي ملجأي .
و بدأتُ رحلتي بائساً على رصيف المدرسة، لكنني لم أمد يدي سائلاً. اشتريتُ أعواد قصب السكر، ووقفتُ أبيعها لزملائي تحت اشعة الشمس الحارقة. كان حارس المدرسة يحرس بضاعتي عنده حتى أكمل حصصي الدراسية،
بدأتُ أتوسع. من قصب السكر إلى "شعر البنات"، ثم الى بيع الصحف في الشوارع ،ومن الرصيف إلى كشك صغير للصحف والمجلات، وبعض الاكسسوارات ،
تلاطمتني الامواج من كل اتجاه .. ولولا نصائح أمي بأن احافظ على نفسي لكنت ضعت في أول جولة ،كانت في كل زيارة لها تحدثني عن ما يتعرض له منهم في مثل سني من تحرش واغتصاب واستغلال وتطلب مني ان ابقى يقظ وحذر من الكل ..فقاومت الحياة بفضل أمي ومساندتها لي .
استمريت بدراستي وعملي ،كبرت تجارتي في عالم مواد التجميل والاكسسوارات ،لكنها لم تشغلني عن حلمي.تخرجتُ محاسباً من كلية العلوم المالية والمصرفية.
حصلت على فرصة عمل في السعودية ،صعدتُ سلم النجاح خطوة ،خطوة ، تزوجتُ وبنيتُ عشاً يقوم على الحب .
وفتحت فرعاً تلو الآخر في اليمن ، حتى صار اسمي رقماً صعباً في السوق،
دار الزمان دورته، وتجرع الذين ظلموني مرارة الحياة. تشرد إخوتي من أبي، وضاقت الحال بوالدي وزوجته. وهنا، تجلت تربية أمي العظيمة؛ لم أعد إليهم منتقماً، بل جئتُ مخلصاً.
فتحتُ بيتي لوالدي وخالتي ، سكنوا في شقة تحت رعايتي واهتمامي، بينما اخذت أمي لتعيش معي في شقتي، مكرمة معززة . بعد وفاة زوجها وتزويج اخواتي .
بكت خالتي ندماً، واعترفت وهي تطلب الصفح: "كنتُ أعذبك لأنك تذكرني بامرأة سكنت قلب زوجي ولم أستطع اقتلاعها، حتى في منامه كان يهذي بأسمها".
نظرتُ إليها بابتسامة المنتصر على نفسه وقلت: "لا تبتئسي، فلولا قسوتكِ ما كنتُ اليوم أنا. كل شر في ظاهره كان يخبئ لي قدراً جميلاً".
سامحتهم أمي ،وقالت:" ماضي وراح لحال سبيله نحن اولاد اليوم ، وكلاً يحاسبه الله على أعماله ".
تعلمتُ أن الحياة لا تؤلمنا عبثاً، بل لتعلمنا أبجديتها القاسية فنكتب بها مستقبلاً أجمل. تعلمتُ أن الحب لا يعترف بالضعفاء، وأن الشجاعة ليست في خوض المعارك فقط، بل في القدرة على الصفح حين تكتمل القوة.
قيل "لا يصبح الإنسان قويا إلا عندما يجد شيئًا يستحق أن يقاتل من أجله ."
وانا قاتلتُ لأجل أمي، ولأجل كرامتي، ولأجل ألا يسحقني قدرٌ لم أختره.. فصرتُ أنا صانع قدري، بفضل الله ودعاء أمي.


