كشف محللان سياسيان يمنيان عن حجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه المجتمع الدولي في التعاطي مع الملف اليمني، مؤكدين أن سوء التقدير والمرونة المفرطة في التعامل مع ميليشيا الحوثي منحاها الضوء الأخضر لنقل سلوكها العدواني من الداخل اليمني إلى ممرات الملاحة الدولية، في وقت دعا فيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة جديدة وشاملة لتحقيق الاستقرار الإقليمي تقوم على الردع وبناء مؤسسات الدولة بدلاً من الاكتفاء بسياسات احتواء الجماعات الإرهابية.
جاء ذلك خلال حلقة من برنامج "المسار" على قناة الجمهورية اليمنية، استضافت المحلل السياسي محمود الطاهر ومدير منصة يمن فيوتشر الصحفي نشوان العثماني، حيث ناقش الضيفان رؤية العليمي التي طرحها في مؤتمر ميونخ للأمن، والتي ربطت بشكل واضح بين استقرار الملاحة الدولية واستقرار الدولة اليمنية.
العالم استيقظ متأخراً
أكد الطاهر، أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الملف اليمني كأمر واقع بعد فشل الحكومة اليمنية والولايات المتحدة الأمريكية في كبح جماح خطر مليشيات الحوثي، مشيراً إلى أن الإعلام خلال الفترة الأخيرة غطى الطرف عن خطورة هذه الجماعة، رغم أن التحذيرات اليمنية من خطر الحوثي على المملكة العربية السعودية والأمن الإقليمي منذ عشر سنوات أصبحت اليوم حقيقة ملموسة يراها العالم.
وأضاف الطاهر، أن المجتمع الدولي ينظر إلى القوي المسيطر على الأرض، موضحاً أن الحوثيين نجحوا في تصوير أنفسهم أمام المجتمع الدولي والمنتديات الدولية بأنهم هم الدولة اليمنية، في حين أن الحكومة الشرعية تتحدث عن السلام والمسارات السلمية، وهو ما يعني الاستسلام في نظر المجتمع الدولي.
وكشف المحلل السياسي عن تعامل شركات عالمية مع مليشيات الحوثي مباشرة خلال أزمة الملاحة الدولية، حيث كان هناك حساب خاص لمتحدث الحوثيين محمد عبد السلام في سلطنة عمان، تُدفع له الأموال مقابل مرور السفن بشكل آمن، مؤكداً أن هذا يعكس نظرة المجتمع الدولي للقوي المسيطر على الأرض.
المشكلة في البر قبل البحر
من جهته، شدد العثماني على أن السردية اليمنية تقول إن العالم أخطأ حين تعامل مع الهجمات التي قادها الحوثيون غربي البلاد كظاهرة يمكن تطويقها بالحراسة والمهمات البحرية، موضحاً أن مثل هذه الدوريات قد تقلل الخطر لكن الأساس يبقى رهناً لتقلبات المنطقة، خاصة أن هذه الجماعة تحولت إلى أداة ضغط سياسي بيد إيران.
وأكد العثماني أن المشكلة في البحر الأحمر ليست في البحر بل تبدأ في البر، في اليابسة، في اليمن، في صنعاء أساساً، مضيفاً: «نحن إزاء جماعة لن تفهم غير لغة واحدة، غير أن تستعيد الدولة اليمنية السيطرة على كل ما لها، على كل الدولة في اليمن».
وأشار إلى أن صنعاء والساحل الغربي والأمن البحري والإقليمي لن يسلم بخطابات وبمفاوضات، مؤكداً أن الهدف الأساسي يظل أن تستعد القوات اليمنية لتحرير صنعاء.
الاحتواء عسكرت المنطقة دون معالجة الجذور
انتقد الضيفان عمليتي «حارس الازدهار» الأمريكية البريطانية و«أسبيدس» الأوروبية، مؤكدين أنهما حققتا هدفاً نسبياً محدوداً، حيث تضررت نسبة كبيرة من المرور في البحر الأحمر وحولت مسارها، وفق ما أدلت به السلطات المصرية حول ما تكبدته الموانئ المطلة في هذين الممرين الرئيسيين من الشحن العالمي.
وأكد العثماني أن الأداة الوحيدة للاستقرار في هذه المنطقة هي الدولة اليمنية، موضحاً أن السردية اليمنية أو القيادة اليمنية تحاول إعادة ترتيب المسؤوليات الدولية بأنه لا يمكن النظر إلى اليمن كساحة أزمة إنسانية فقط، بل لابد أن يكون اليمنيون شركاء ضروريين في أمن التجارة العالمي، وهذا لن يتحقق إلا من خلال أن تكون الدولة اليمنية حاضرة ومدعومة.
ربط الاستقرار البحري باستقرار الدولة
طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في مؤتمر ميونخ للأمن مقاربة ترتكز على اعتماد نهج مختلف في التعامل مع القضية اليمنية، يربط بين استقرار الداخل اليمني وأمن الملاحة الدولية عبر دعم مؤسسات الدولة وتمكينها من فرض الردع في مواجهة الميليشيا الحوثية.
وحذر العليمي من استمرار الرهان على إمكانية تغيير سلوك الميليشيا الحوثية، مؤكداً أنها ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية حتى في حال توقفت مؤقتاً عن أنشطتها الإرهابية في البحر الأحمر، وأنها مع احتمال تعرض إيران لضربة أمريكية ستعاود مهاجمة السفن من جديد عملاً بمبدأ الولاء المطلق للنظام الإيراني.
كما شدد على ضرورة عدم الفصل بين الحوثيين والتنظيمات المتطرفة الأخرى مثل القاعدة وحركة الشباب وتنظيم داعش، معتبراً أنها باتت تعمل ضمن شبكة واحدة تهدد الأمن والاستقرار على ضفتي باب المندب.
سيناريوهات المواجهة المحتملة مع إيران وانعكاساتها على اليمن
تطرق الضيفان إلى السيناريوهات المحتملة في حال تعرض إيران لضربة عسكرية أمريكية وانعكاساتها على اليمن، حيث أكد الطاهر أن هناك سيناريوين محتملين؛ الأول أن تشارك ميليشيات الحوثي في الدفاع عن إيران بقصف المملكة العربية السعودية وقطر والبوارج الحربية في البحر العربي والأحمر، وهو سيناريو قد يكون ضعيفاً.
أما السيناريو الثاني، الذي توقعه الطاهر بناءً على اطلاعه على الاستراتيجيات الحوثية، فهو أن الميليشيا ستحاول تحييد نفسها حتى تقول إنها لا تتبع النظام الإيراني طالما تراه قد يسقط، وهذا قد يمثل خديعة لليمن واليمنيين والمجتمع الدولي وخصوصاً المملكة العربية السعودية.
وحذر من أن الحوثيين سيحاولون تجنب المواجهة المباشرة، ثم سيضغطون على السعودية ويهددونها لدفع الرواتب والجزية كما يتحدثون، وعندما يبنون قوتهم العسكرية ويحصلون على الدعم المالي السعودي والاعتراف الدولي، سيتجهون بعد ذلك لإسقاط المملكة العربية السعودية بطريقة أو بأخرى.
من جهته، أكد العثماني أن خطوة مهاجمة السفن تظل متوقعة تماماً من قبل الولايات المتحدة والإقليم، لكنه أكد أن القوة الدولية والإقليمية لديها القدرة على مواجهة هذا الأمر، مشيراً إلى أن استمرار الجماعة وحصولها على هذه القوات والقدرات ليس مكمن ضعف بالنسبة للحكومة اليمنية ولا للتحالف ولا للمجتمع الدولي، قدر ما هي معادلة غريبة جعلت هذه المنطقة تتموضع عند هذا المستوى من التوازنات.
دعوات لاستباق التحولات الإقليمية وعدم الانتظار
شدد الطاهر على ضرورة عدم انتظار سقوط النظام الإيراني، موضحاً أن الرئيس ترامب لديه استراتيجية محددة تقوم على الضرب حتى يستسلم الخصم دون إسقاطه، محذراً من أنه بعد الانتهاء من الحرب الإيرانية المتوقعة ستكون المقاربات في المنطقة العربية ومنطقة الخليج مختلفة، وسيكون الكل لديه حسابات كبيرة ما سينتج عنه تجميد الملف اليمني بشكل كامل.
ودعا الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي إلى عدم الاكتفاء بالتحركات الدبلوماسية، مؤكداً ضرورة تفعيل الجانب الإعلامي ومراكز الدراسات والأبحاث لشرح خطورة هذه الجماعة على مر التاريخ، مع ضرورة التحرك العسكري، خاصة مع انتهاء ولاية الفريق الأممي لمراقبة وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة في أبريل القادم، داعياً إلى استغلال ذلك كمدخل لاستعادة السواحل اليمنية والتحرك نحو استعادة محافظة الحديدة.
الاستعداد الداخلي أولوية قبل الدعم الخارجي
أكد العثماني أن المتطلب الأول للشراكة الدولية أن تكون الدولة اليمنية حاضرة ومسيطرة على بلدها وعلى مقدراتها وعلى أمنها الإقليمي البحري، موضحاً أن السؤال الأساسي هو هل سيكون لدينا منعطف حالياً بعد أن فهم العالم كل شيء وأدرك أن الخطورة في هذه الجماعة لا يمكن أن تُحتوى.
وشدد على أن القيادة اليمنية لديها اليوم شركاء ورسالة يجب أن توصلها للمجتمع الدولي، لكن عليها في الداخل أن تكون مستعدة وألا تعول كثيراً على ما هو خارجي على حساب ما هو في الداخل، مؤكداً أن الخطوات في الداخل والاستعداد هي الأساس الذي سيكمله الدور الخارجي.
وقال: «اليمنيون ماذا يريدون اليوم؟ ماذا سوف يفهمون من كل هذه الأطروحات؟ سيفهمون شيئاً واحداً: هل قد قاربنا في استعادة صنعاء أم مازال الوقت بعيداً؟ لن يفهموا أي شيء آخر».
سقوط النظام الإيراني يعني سقوط الحوثي
أكد العثماني أن هناك مسارين: إذا ما سقط النظام الإيراني فلا بد أن هذه الجماعة سوف تسقط، لكنه أشار أيضاً إلى مسار ثانٍ يقول إن هذه الجماعة الآن في حالة ضعف وسوف تسقط حتى لو لم يسقط النظام في طهران، وذلك بالإشارة إلى حجم التحول الذي شهده اليمن خلال الفترة الماضية وتوحيد القرار العسكري والسياسي والأمني اليمني.
وأكد أن الشعب اليمني الرازح والمعاني والمضطهد تحت هذه الجماعة سيكون أكبر مساند لمسألة توجه من هذا النوع إذا ما وُجدت النية ووُجد القرار اليمني ومعه القرار السعودي.
عدم التحرك يعزز موقع الحوثي
حذر الطاهر من أن عدم التحرك العسكري من قبل الحكومة اليمنية سيترك مساحة للحوثي ليقوي نفسه أكثر ويعرض نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه هو ذاته الدولة اليمنية وأن الحكومة الشرعية مجرد مرتزقة، مؤكداً أن الحديث عن السلام في هذا الوقت يعني الاستسلام.
وشدد على أن الحوثيين سياسيون أذكياء يخططون بذكاء، تخطط لهم إيران، وأنهم يريدون إعادة تموضعهم في المنطقة بطريقة أخرى، محذراً من أنه إذا تم القضاء على إيران فسيكون هناك حوثيون أو خمينية بطريقة أخرى في المنطقة، وستكون اليمن بدلاً عن إيران مهددة للأمن والاستقرار الدوليين.
ودعا إلى جعل استعادة مؤسسات الدولة أولوية أولى، وجعل الأولويات الأخرى التي تتحدث عنها الحكومة مثل التطبيع والاستقرار ودفع المرتبات في المحافظات المحررة مجرد ملحق، مؤكداً أن التأخير في القضاء على هذه الجماعة سيرتد على الحكومة اليمنية نفسها.
من جهته، أكد العثماني أن حجم الاستعداد يجب أن يكون أكبر بكثير في الداخل اليمني قبل الخارج، خاصة في ظل احتمال دخول هذه الجماعة في حرب إذا اندلعت ضد إيران، لأنها ستكون أداة إيرانية لحماية النظام الإيراني.
واختتم بالتأكيد على أن المنطقة مقبلة على تغييرات كما يبدو، وأن ما سوف تسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي تجري حالياً سيكون حاسماً في تحديد مستقبل اليمن والإقليم، داعياً الحكومة اليمنية إلى أن تكون في مستوى هذه التحديات.


