يتجادل الوسط الأدبي طويلاً حول تراتبية العلاقة بين النص الإبداعي والمنجز النقدي؛ فبينما يصرّ فريق على أسبقية النص بوصفه "الأصل" الذي يمنح النقد شرعية الوجود، يذهب آخرون إلى أن النقد هو الإبداع الموازي الذي لا يكتمل النص بدونه.
ولعل هذا الارتباك في تحديد "من يسبق مَن؟" يطرح تساؤلات واسعة، منها: هل النص الأدبي بشقيه الشعري أو السردي بحاجة إلى النقد الأدبي الذي يوضح ويكشف جماليات النصوص وتفسيراتها، أم أن النقد الأدبي بات اليوم مع توسع مدارسه واتجاهاته المتعددة فناً مستقلاً؟
هذه الأسئلة هي ما جعل الكثيرين يضعون النقد في تصنيفات الإضافات اللاحقة للنص، حيث يصفه البعض من المبدعين خاصةً الكتاب من شعراء وكتاب رواية أو بأنه نتاجٌ أكاديمي طرأ على روح الإبداع العفوية وتعرض لمحددات المناهج الأكاديمية المتقدمة، معلّلين ذلك بأن النقد في غايته لا يصل إلى مستوى النص الإبداعي نفسه.
هذا الارتكان إلى أسبقية النص تاريخياً، ووضعه في أعلى الهرم، لا يأتي بالضرورة انتقاصاً من النقد كقالب، بقدر ما هو تعبير عن نزعة بشرية تقدس "القول الأول". ولو أُجري استطلاع صحفي اليوم، لمالت الكفة بلا شك نحو النص، رغم أن المجلات الثقافية العربية الكبرى باتت تحجز مساحة للدراسات النقدية تفوق مساحة النصوص الإبداعية نفسها. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن "الأسبقية الزمنية" ليست معياراً كافياً لنفي صفة "الفن الإبداعي" عن النقد.
وبالنظر إلى واقعنا اليمني والعربي المعاصر، نجد أن غياب الناقد "البصير" قد أدى إلى ضياع الكثير من النصوص الجيدة وسط ركام الكتابات العادية.
لقد تسبب تأخر النقد الأدبي في اليمن، وغياب المراجعة النقدية الجادة، في ولادة سيل من النصوص والمؤلفات التي كان من المفترض أن تخضع لمبضع النقد والمراجعة قبل الإقدام على إصدارها. أو حتى بعد إصدارها فما معنى أن تصدر رواية أو كتاب فكري ضخم دون أن يدور حوله نقاش نقدي أو كتابات كاشفة؟ إن الكاتب حين يكتب، هو يكتب للقارئ بقدر ما يكتب للناقد؛ فالثاني هو من يمنح النص "شهادة ميلاد" ثقافية تضمن له البقاء.
فالإشكالية تكمن في أن كاتب النص وكاتب النقد يستعملان الأدوات اللغوية ذاتها، لكن بشروط وجمهور مختلفين. فقارئ النص العادي قد يكتفي بالاستمتاع السطحي، بينما يفرض النقد قارئاً أكثر وعياً وتدبراً؛ فالكتابة النقدية لها خصوصيتها التي تجعل متعتها وقفاً على فئة تدرك أن النقد ليس "تفسيراً" بل هو إعادة خلق للنص.
إن فكرة "تأخر النقد" ليست جديدة، لكنها تدحضها التحولات الفكرية الكبرى عبر العصور. فبالتأمل في سياق تطور الوعي البشري، نجد أن كل مرحلة تاريخية كانت تولد "رؤية نقدية" تتسق مع روح العصر وتحدياته، حيث يعمل العقل على مراجعة الموروث الأدبي والفلسفي لجعله حياً ومتصلاً بالواقع الجديد. وحالة التشابه تتطابق هنا مع النص الإبداعي؛ فالشاعر القديم حين كان يرد على نظيره بأبيات شعرية، كان يمارس نقداً إبداعياً خلاقاً أنتج لنا فحول الشعراء، وهو ما يثبت أن النقد كان حاضراً في قلب "لحظة الإبداع" ذاتها ولم يكن يوماً مجرد تابع.
جودة النقد هي التأكيد الأسمى على جودة النص نفسه؛ فهو الحامل الضروري والكاشف السحري لمواطن الجمال. والكاتب الذي ينسج إبداعه باحثاً عن "كاشف" بين أصدقائه أو قرائه، إنما يبحث عن مرآة تظهر له زوايا في نصه لم يدركها لحظة الكتابة. فالنقد لا يدافع عن نفسه، بل يدافع عن حق النص في "الخلود" والكشف.
وفي زمننا هذا، لم يعد النقد مجرد ترفٍ أو صدى للنصوص، بل أصبح هو (البوصلة) التي تحمي الإبداع من التيه في زحام النشر العشوائي. إننا بحاجة إلى الناقد لا ليكون قاضياً على النص، بل ليكون (شريكاً في الولادة)؛ فبدون بصيرة الناقد تظل بلاغة النص ناقصة، وبدون بلاغة النص تظل بصيرة الناقد عمياء.


