علامات التحول الاجتماعي في الرواية
الريف والمدينة في "تبادل الهزء بين رجل وماضيه " للروائي محمود ياسين.. فارس العليي
فضاءات المستقبل

  " العزي " صحفي قادم من إحدى القرى اليمنية في محافظة إب الخضراء ، وبأكثر دقة وتوصيف هي : إحدى ضمن ما يسمى بالمناطق الوسطى التي اشتعلت بحروب الجبهة نهاية سبعينيات القرن الماضي بين الجيش وتحالف الأخوان ومشائخ في شمال اليمن من جهة ، وبين الاشتراكيين في الجنوب والقوميين في الشمال وقيادات عسكرية يسارية من جهة ثانية ، استمرت طيلة خمس سنوات تقريبا ، وحصدت أرواح الكثير من اليمنيين ، إلا أن إب الخضراء وما جاورها طبوغرافيا من أهم الأراضي الزراعية إخصابا في اليمن ، ليس بالزراعة فقط ، إنما أيضا بالحكايات ، والأمثال الشعبية ، والحكم والمقولات. وما "سحول بن ناجي" ، إلا قاع ممتلئ بالسرد والحكي وذهنيات الجدات ، وغبش مزارعين ، ومغامرات فلاحين من نوع "أمان يا نازل الوادي أمان " .

في رأيي : لا تتخيلوا كم كان مهما أن يبزغ من هذه المناطق روائي يجيد سردا لائقا ، يحمل عبق تاريخ لازال يرافق الفلاحين والمزارعين صباح ومساء وتمتلئ به صحافة وكتابات وإبداع المثقف اليمني ؛ حكايات ومقولات وتنبؤات ضجت بتحولات اجتماعية زراعية وسياسية ، إذ ، لازالت تفرض أثرها كمرجع واستشهاد تأخذ مأخذ الاستدلالات في كتابة المقال والكتابة الإبداعية والأدبية ، توحد وانسجام هائل مع هوية تخلقت من عمق المنهج التجريبي ببصيرة وعمق تأملين غاية في الاستدلال والسحر والإبداع ، كان عظيم اليمن الأستاذ البردوني في كتابيه " فنون الأدب الشعبي في اليمن ، اشتات "  قد اخبرنا بالتحولات الاجتماعية في اليمن معتمدا على الإشارات والعلامات السيميائية في الأمثال والسرد والألغاز وغيرها مما تركته لنا مناطق يمنية كثيرة ، خصوصا المناطق الوسطى ، واعتمد في تفسيره للظواهر الاجتماعية والزراعية والسياسية على البعد الزمني وسيميئائية الحكايات والألغاز كعلامات تدرس الوقائع وتحيلها ضمن متطلبات مادية التاريخ كما في الإخراج العجيب لحكايا مثل "الجرجور، وشجرة الدباء ، والدودحية ..الخ " ، إذ استطاعت مثل هذه الحكايات ان تفرض نفسها على أجزاء كبيرة من اليمن ، وبدا الأمر ، أن المجتمع الذي يمتلك الأرض الخصبة والملائمة للفلاحة التي تمنح الفلاحين إنتاج غزير ، هو المجتمع المناسب القادر على أنتاج ثقافة وارث حضاري في المقابل الفكري والمادي ، هناك ذاكرة جمعية تراكم ذاتها الأدبية والفكرية والاجتماعية ثم تلتقط الشخص المناسب لتمنحه حق الكشف عن ذاتها في قوالب وسياقات ينجزها المجتمع ، وما إن يفشل المرة والثانية والعاشرة ، حتى تتكون الصيغة المناسبة لانطلاق مشروع مناسب يقدم ذرى الحقيقة ويخلد لحظاتها ويحصد تهتك وفتك الزمن في تماسها ، وقدرة المجارة على تتبع خطوات الأجداد وحصر نتاجهم هي قدرة يلتقطها الحاذقين ، والبردوني فسر لنا كل تلك الحكايات والغرائب وحدد لنا زمنها بقدرة فائقة الدقة .

هذه مقدمة عاجزة عن الدخول بجرأة ومباشرة في موضوع دراستنا النقدية لرواية أرادت أن تكون فاصلة لجملة امتد تأثير فاعليتها بين قرنين زمنيين اكتظت بثورة اتصالات وأخرى في الطب ، وبالنسبة لنا  كيمنيين فان رواية " تبادل الهزء بين رجل وماضيه " لليمني البارع والمدهش محمود ياسين ، اختارت توقيت غاية في الخطورة حينما أرادت أن تكون "هزء" لماضي ربما حدده الروائي بزمن ظهور الستلايت ، هي ليست بداية فترة تكوينه الروائي بقدر ما كانت تستحق شهادة "هزء" لماضي حافل بالوجع الوجودي وكانت العلنية السياسية والديمقراطية والعمل الصحفي تكتيك علني لتوزيع أوراق اللعبة والكسب المحرم ، كل شخصية سياسية معارضة للحكم هددت بالجوكر كان مصيرها الموت ، هذه ، واحدة من العلامات السيميائية لرواية  محمود ياسين الى جانب الاختطافات والاغتيالات والبطش والفساد ..الخ ، شخصية المقامر جزء هام وحيوي في الرواية ، وحتى عنوانها يحيلك الى هذا الهاجس "تبادل الهزء بين رجل وماضية" لكنه يختار اقتحامات عدة وباذخة لعمله السردي الكبير ، يثبت دهائه بوضوح في ، تعدد مجال الرواية فيتكلم عن قضايا ووقائع ومواقف متعددة بإشكالاتها وحضورها وتداخلها كتعدد واقع تأزم بوجوديات اندهش بها بطل الرواية ، ولولا تدخل الروائي لإنقاذ البطل من الغرق في جملة من الأحداث المتصارعة والمتسارعة ، من القرية إلى مدينة إب إلى صنعاء ورحلة العودة للقرية من جديد ، ما هي إلا نهاية أراد بها الروائي ياسين التخلص من حياة بعينها والبدء (بعزي) مختلف فيما يشبه إعدام مُرْضي إذ من الهام ان يتخلص الأديب من عمله الأول وهو خلاص حميم لأن العمل الأول فيه بكوره وطزاجة وصدق جميل يكون ابننا الحبيب ويكسبنا الكنى باسمه ، اشعر أن (العزي الجديد ) مختلف تماما ويحمل مفاجئات غير متوقعة لقراء ياسين ، وياسين هذا لا يدعك تستريح و أنت تقرءا سرده ، فهو يستهلك طاقاتك الفكرية ، والتأملية والمعرفية إذ يكتب " بلغة التفكير " ويحصد كل ما يصادفه في حياته ، حتى وهو في الهامش يبتلع المشاهد الأكثر غرابة وبساطة في الحياة ويؤلفها ويوصفها بجدارة كبيرة ضمن سياقات سرده " وقرفص أمام العزّي حتى لامس بلحيته ركبة العزّي المكشوفة للريح" هذه مثلاً لا حصرا ، مواضيع الرواية متخمة وتستطيع معها ان تتعلم تاريخ اليمن السياسي والاجتماعي وبالعودة للتزود ببعض المفاهيم تصبح شاهدا على العصر كما تبدو الرواية نفسها ، وفي النهاية يستدعيها من الداخل وبعيدا عن الخارج ، من اعلى قمة في الفكرة ، إلى سفحها في التأمل المتصالح والضاج حضورا ، تنهم منه المعارف ، ويصدر فرماناته الخاصة في انكباسات لا يمكن تفكيك ملذاتها وتكدساتها إلا بالمستوى نفسه من رصانة وحذاقة التوليف العام والخاص جدا . نعم .. يهتك كل شيء ويحيلها لأشيائه وكائناته بقدرة روائي عالمي كبير ، اكتسب خبرة الحياة من ممارسة طريقة عيشه كأي شاب يمني غادر قريته بظنون حالمة ، وفيما أظن ان العمل السياسي و الصحفي توليفة ساهمت في تغديق رؤيويته فانبلج كأشهر كتاب الصحافة اليمنية ، وقد ترأس تحرير أهم صحيفة أسبوعية مستقلة "الشارع" قبل أن تتحول إلى يومية ، واصدر مجلة أدبية شعرية ثقافية فصلية اسمها "صيف " الا انه لم يكتب لها الاستمرار فتوقفت عند الخمسة أعداد تقريبا قد تقل او تزيد وكانت مواضيعها تقدمها كأهم الإصدارات العربية ، بالإضافة إلى انه مارس كتابة شبه يومية في صحيفة "الأولى " المستقلة و" المصدر ، والصحوة ، والثوري ، والشورى ..الخ " مما يعني انه مارس الحياة السياسية بملامسة مباشرة ، غير أن الكتابة الصحفية تستهلك الإبداع كما كتب الروائي العالمي الكولومبي ماركيز .

اختار محمود ياسين شخصية مناسبة ومعقولة كبطل لروايته ، صوره مشابهة لنا ، لكن ماذا أراد أن يقول ؟ إذ يتذكر "ملامسة" أكثر حيوية.

في الريف يحترموا الصوت المرتفع ، بدواعي وبدون دواعي ، العيش في ريف يجب أن يكون صاخبا ومؤكدا ، يكترث لكل شيء ، يُحدث بدء بمجاله الحيوي وانتهاء بملاحظات يوم المتسوق فلان ، ومرض بقرة يوزع لبنها على أهالي القرية ، ومغامرات ليلية تنتهي بـ" يتلمس كينونته على نتوءات أحجار البيوت " على صعيد المشاركة في انجاز تلم الإخصاب ، نتظاهر أمام أنثى عندما سنحت معها فرصة مزامنة لشهقاتنا وتأوهاتنا ، وبطريقة ما جعلنا الشرف ميلاد احترام متبادل معها .

في القرية تجد سهولة امتعاضك تعبيرا محتدما تجاه حدوث الأشياء الخاطئة ، ومن هنا تنطلق فاعلية تفكيرك بصوت مسموع . الريفي الضاج في القرية يضيع صوته في ضجيج المدينة ، حيث الخيانات تعبير سياسي سائد خصوصا في الأوساط التي تورط فيها العزي كصحفي ، تورط مع الفضيلة وأصبح يفلش الفرص واحدة تلو الأخرى ، كمشابهه علاقته بالنساء حين بدءا معهن كواحد من أعضاء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ناصح أمين ) ، يمارس الريفي سلوكا كهذا كلما شعر بمزاجية الحياة بعيدا عن تطلعاته وتوقعاته ضمن إعادة تعريفه للعلاقات والأخلاق ، وفي الشأن السياسي أيضا تخذله تجارب تسقط فيها أخلاق النخب السياسية ، ويصبح تعبيرا لحالة ليس ضمن أولوياتها ، كما تعبر عنه حالتنا الراهنة تجاه انهيار الكم القيمي في ممارسة السياسة والصحافة والثقافة إجمالا ، ليس هناك كيان تماسك عبر عن قيمة إنسانية مختلفة وعظيمة جامعة ندين لها بولاء خارج احتساب النقاط مع وضد ، السماء مارست قسوتها ، عندما تركت لنا ارث أعظم شخصيات وطنية في البلد ، مثلت قيم ومثل رفيعة تجاوزت تشكيل ذاتها لذات الوطن ، إذا رحلة العزي بدأت من القرية إلى مدينة إب إلى صنعاء ثم العودة في رحلة كأنها حفلة عرس صاخبة فيها الدواشين أكثر من جمهور العرس ،  هكذا علل العزي مسألة عودته للقرية قال في قرارة نفسه : اذا كانت المسألة لا تتعدى بسط نفوذ خارج حسابات الأولويات والصالح العام ، فأنني احتاج للعودة للبدء من طل صبح القرية الى عشائها دون حاجتي للبحث عن قيمة العشاء وذرع مسافات الخيلاء محدقا باتجاه نوافذ شارع حدة لينتهي في إحدى فنادق شارع تعز في ليل "الريموت المركزي ، وكرم TV5  " العزي في هذا يشبه الكثير من الصحفيين الذي ارادوا ان يفرغوا ضجر السياسة بممارسة الجنس الأثيري .

 

 

 دعونا نكترث لرواية لائقة إذا كنا نريد تجاوز أكثر اجتراحا لصالح السرد المذهل عن احتدام ماضي مليء بالصراعات ، سرد يبيح  أن نتبادل معه اشد المواقف وقعا ، حياة تأزرت النكبات وقلت فيها فرص النجاة ، لم يعد ممكنا ان نكمل سرد محلي ، بعيدا عن الأعتباطات والأمتعاضات ، التي شكلت حياتنا ، فهي بمثابة المسلك التي مررت الفرصة تتابعا لتمدد متتالي ، مارس العزي هزئه فيها وجعلنا نفعل ذلك ، عيش في منتصف المسافة إذ لا عودة البته ، يشبه مصير السياسي الذي مل من واقع نظام يدعي ممارسته للسياسة ولا يسمع رأيك الا في أروقة السجون السياسية ، لم نحفل بنسوة رفيقات الكدر والمعمعات السياسية ، كما يحدث مع السياسي والصحفي والأديب في بيروت ، رفقة نساء ابتهجت بهن سيرة حياتك ، لتبدو من السهولة وصف وجودك السياسي ولأدبي والاجتماعي ضمن واقع ديمقراطي تجاوز عقده النوع الاجتماعي ، ولا وجود لحانة حتى تسقط فيها من تمدد أحلامك " ببقايا كأسات الثملين" وأنت تذرع المسافة بين الشهقة والنوم " . يحصد اختطافك المتكرر صورة متكاملة ومنجزة في واقع اجتماعي مليء بأمراض نخب سياسية و صحفيين ومبدعين وأدباء وشعراء منقسمين على اشكال الشعر اذ لازالوا يتبادلون التهم لليوم ، الأهم انك مختطف منذ أيام القرية ، والأشد هتكا أن الجميع ينجزونك بتراصص قرب ولع نفسي ولا احد يعطيك تعريفا يخفف عنك ذرع المسافات في شوارع مقابلة للبرد القارس ، حيث يتساءل العزي امام نافذة بشارع حدة : في أي شهقة أصبحوا الآن ؟ وكأن السؤال معد منذ ذهول الساعة السليمانية ، اقصد عندما يبدءا التفكير جدي في ماذا يزيل هذا الكدد من ذاكرتك المدمرة ! ولن يجيبك من كنت تتوقع ان يحفلوا بصراخك الممتد منذ وجوه ، وانتقالات ومحطات حفلت بها آمالك وخانتك فيها مدامعك حزنا وفرحا غير أكيدا ، وحرقة بكاء اشد هتكا.

كم مرة علينا أن نقول لكم أن مسيرة متوجسة تحتاج لدغدغة لطيفة خالية من أظافركم المتوحشة ، صدئت أيام العزي كما حدث لجلوسنا في أركان البوفيات نجوب حنين الخلاص لحياة خلت من كرامة وبهجة حميمة .

لا أريد الابتعاد عن هزء كثيف كهذا ، إلا أنني ادخر كلمات تبدوا لي مناسبة ، لأشهرها في وجه سرد هذا الروائي الكبير الذي أنجز لنا فأحسن الدهشة بانجازه ، سرد كهذا ؛ جديرا بنا تعليقه في "صفيف" مكتبة منازلنا حرز يصرف شرور كتب لا جدوى من النظر فيها ويمنحنا سخرية تامة.

يمتلك الروائي قدرة هائلة في توصيف حياة القرية ، ومن ليس ابن الريف لن يفهم كما نفعل نحن القراء الفلاحين القادمين من الريف.

صدقوني هذا ليس نقدا من ذلك النوع الذي يخضع لإسقاط منهج بنيوي او تفكيكي و انطباعي لأنني لست ناقد هكذا ببساطة ؛ استخدمت عفويتي وقرأت بتصالح ، وتخليت عن الأنا ، واستحضرت ذكرياتي مع الطفولة والمراهقة والصحافة والسياسة والأدب عموما ، بينما انعش ياسين كل تلك التفاصيل الغنية واصبحت الدهشة معرفة حتى أحلام النوم العجيبة والغامضة صارت الرواية عرافها الأجمل ، اقصد عندما تصبح اللحظات التي مررنا بها في حياتنا والمليئة بأسئلة مريرة لدرجة الغموض ، تصبح معرفة بجمل قدمها ياسين في فقرات متفرقة من روايته وكأنه اراد ان يجيب عنها أكثر من محاولته انجاز رواية ، و بغض النظر عن المقولات والجمل العريضة لروائيين وفلاسفة ومفكرين الا انه كان لديه رؤية واضحة تجاه هزئه وبدا لنا جاهزيته لمنح تعريف لضروب ومسارات حياة المواطن اليمني داخل المشاهد وخارجه ، من اين له بكل ذلك الاشتقاق اللغوي والفني ان لم يكن مثقف معرفي رائع ؟. ياسين مغرم أيضا بإعادة صياغة المفاهيم ، وتعريفها في اللغة واستبدالها اذا اضطر بأخرى ، واعتقد ان هذا جيد لأننا سئمنا ممارسة حياتنا من ثقب واحد ، كتسليم بتكرار نفس طريقة العيش ، نفس غرفة الصحفي وطريقة بعثرة الأفكار داخل الورق المنهارة من شدة تراصص أفكارنا ، نفس الأمتعاض ولا سبيل لصحفي ان يتجاهل إحباطه تجاه زملاء مراسلين لوكالات أخبار عالمية تمنحهم ما يزيد عن 2000$ شهريا - أتذكر دهشة احد أصدقائي الصحفيين وهو شاعر رائع للغاية والذي أصبح الآن مدير عام عندما أرسلته لشراء شوكلاته سعرها 400 ريال يمني ومن تلك اللحظة اسماها "واحد عصيد وربع دجاج "- إعادة تعريف حياتنا هو خلاص لراكد مللناه ،وﻻنجاة لخلق واقع جديد الا بتغير المفاهيم المستعملة وفق ما نخلقه من مزاجية وانكسار .. التباس خطير بين ما نعيه وبين ما نمارسه .

 

"تبادل الهزء " في شارع حدة .

 

السرد الذي قدمه الروائي اختصار ماضي وحاضر إنسان ليس بالضرورة أن يكون يمني ، بقدر ما هو إنسان في الشغف والحزن الكوني لحياة ماضيه وحاضره ، سرد شاهد و مليء كثيرا بالانكسار ، مواكب لوجعنا ، أحلامنا ، سقوط تعاريشنا ، في حضرة قسوة البرد ، والأماني ، والخيبة اليابسة تماما ، قسوة تستدعي التفاتاتنا في العدم.

اختيار الروائي لشارع حدة ليس من قبيل الصدفة ، كلنا نعرف ماذا يعني منزل في حدة او محل تجاري او رجل او امرأة او شاب من حي هذا الحي ، وما إن يتبدى ويتأكد لنا ذلك حتى نطبق لعبة "اوجد الفروقات المائة بيننا وبينه " أحيانا كنت أجيء شارع حدة ، و في الغالب ﻻ اطأ هذا المكان إلا وجيبي ممتلئ ، ندمت جدا عندما جئت بعض المرات الى هذا الشارع ، وجيبي خالي الا من نصف حبة سجائر ، وأمنية لقاء صديق ما يمنحني قلص شاي احمر على حسابه ، كنت اشعر بضآلة وجودي في شارع مفخخ بالفتن والاشتهاء ومظاهر الناس الأنيقة ، حالة تعكس نوعا من البؤس ، وأحيانا كنت اسقط على نفسي توهيمات خطيرة ، لذا قررت أن ﻻ ارتاد هذا الشارع المفخخ بأبهة ما فيه من فتريناته وبذخ عروضه ، الا وجيبي دافئ ، لأشتري البعض مما كان يعجبني ، البعض كان كافيا لإدخال بهجة ثلاث ليال ، وكأنني اثأر لكل العابسة وجوههم من فرط إفلاسهم ، كنت اتصل من هناك لرجل ال.......ورجل ال....... ﻻ داعي لقول من هم ال..........فالعزي  يعرفهم جيدا.

من ذلك المكان يتبادر إلى ذهنك استحضار أسوء لحظاتك البائسة ، لذا ، بوسع من يمتلك النقود في هذا الشارع ، ان يعرش بطرفة عين ليثأر ، من تلك اللحظات المفلسة ، التي حالت كثيرا بينه وبينه ، بيني وبيني ، بينكم وبينكم ، حينما يستوقفه شكل قارورة عطر او بدله وحذاء جميلين معروضتين على واجهة "بلاك كات " مثلا، ثم تحرص فجأة بعد أن تشتري اللحظات المعلقة ببؤس في مخيلاتنا ، قبل حصولنا عليها ، او دعونا نقول أن الأمر أشبه "بتبادل هزء " كما في دلالة عنوان الرواية ، تمنح نفسك لحظة ثأر من ذرع المسافات بقلبك السارح وقدميك المتعبة في قسوة البرد القارس بامتداد شارع حدة والزبيري و وصولا للدائري ، كأن تمنح نفسك فرصة استئجار تاكسي ، دون الخوف من تكلفة المشوار ، و تحديد المبلغ مسبقا مع السائق - من النادر ان يركب اليمني تاكسي دون ان يُقسم للسائق انه لا يمتلك فلوس كثيرة مع ان الخلاف على خمسين او مائة ريال أداء اليمين الدستوري نافذ ومعمم بكثرة في الشوارع إلى أن أصبح غير مصدق من أي حكومة جديدة قال صديقي ماتيس ليبراند ألماني الجنسية أن أكثر شعب يذكر الله اليمنيين بسبب يمينهم بالله ، وكذلك اكذب شعب وهو لم يكذب – هذه التفاصيل لها أثر في ليلتك البهيجة ، وتضفي عليك شعور متعالي ، كما انه يكلف السائق فتح أغنية ترضي غرور اللحظة ، تتسع دائرة "تبادلك للهزء" فتقرر إضافة أصدقاء آخرين يبادلوا ماضيهم القريب هزئهم الخاص ، فتتصل لبعض المرميين منهم في زوايا غرف شبابية من إحياء صنعاء البائسة ، الدافئة حينا ، والباردة أحياناً كثيرة ، أنا أسهب فقط في سرد حكايتي مع شارع حدة ، قد يكون محمود ياسين تسربل لحظاته الخاصة ، لكنه كتب عني بالتأكيد في روايته المؤلمة الساخرة ، و إلا ماذا يعني ان يقتحم خصوصيات دهشتي وبؤسي في شارع حدة ؟ ياسين هذا فضح خصوصياتنا ....! لكننا نحبه على كل حال ، فقد ثأر للحظاتنا بلغه ولكْنه باعثة للأعماق ، محمود واحد منا ، لذا سمحنا له بنهش وجعنا وشقاوتنا ، في لحظاتنا الغنية والفقيرة ، أريد التأكيد أن العزي ثأر لنا في بعض أيام بطريقة مجنونة ، وأحيانا كان يدخل مطاعم يتناول العشاء وهو ليس جائع ، ﻷنه لم يكن يمتلك الوقت والفرصة ، لتكرار العشاء في مطعم مثل الشيباني ، او يشتري أشياء لا يستطيع ارتدائها بطبيعة التقليد الحقير ﻷبن الريف ، او ان يذهب لشراء القات اللذيذ غالي الثمن ، هذا ليس مرضا نفسيا او ما شابه ، بقدر ما كان "تبادل للهزء بينه وبين ماضيه " الأمر يشبه انتصار للحظات بؤس دمعنا فيها دم ، ونحن نحاول امتلاك ما يستهوينا ، لم يذكر محمود ذلك ، لكن العزي فعل ذلك ، اعرف أن هناك من امتلك لحظات رفاه منتعشة ، دون أن يمر بدمعة او لحظة بؤس واحدة ، هؤلاء ليسوا مهمين في الرواية ، بمن فيهم زملاء لنا في الصحافة ، وأعضاء في نقابة الصحفيين واتحاد الأدباء اليمنيين ، محمود ، كتب لنا نحن الأغلب ، الذين تبادلوا الهزء مع ومن كل شيء ، اقصد الذين أبهرتهم  كائنات شارع حدة ، بوابات الفلل وستائرها، ومفروشات المشرقي ، والبيت الراقي، والصرمي ، وتلك البطانيات التي تشعرك أنها نصف أنثى ، وغرف النوم بألوانها المغريه ، وكذلك رائحة مطعم القصر الحمراء ، وشفة أنثى استقلت المرسيدس متوجهة لحدة المدينة ، وكتب مكتبة ابو ذر الغفاري غالية الثمن -وﻻ مرة نجحت في سرقة أي كتاب منها مع ان سرقة الأستاذ العتواني أمر بات مهم لسبب عام وخاص أيضا - والمستلزمات المنزلية التي تشعرك الرويات والأفلام أنها تعبير ارستقراطي هام توحي بوجودنا بعيدا عن غرف حقيرة ﻻ تتسع لشخصين، أما في حالات الطفش والإفلاس ، ما إن تصل إلى كنتاكي الزبيري سيرا على قدميك ، حتى تسترجع خيالك من نوبة قاسية ، حينما تتذكر سكن السنباني المقرف ، ومع ذلك تتضامن معه وتقول يكفي ان اغلب وأشهر صحفيي وشعراء البلد سكنوا فيه ولازالوا ، وفور وصولك ، تنغمس في قراءة من يثأرون لنا ، للحظاتنا في سطور رواياتهم التي لا تشبه واقعنا في الحقيقة ، لأن محمود آنذاك ، لم يبدأ سرده المحلي العالمي ، ولو كان قد كتب هذا الاندهاش العجيب والجحيم الحميم الذي نقرأه اﻵن في "تبادل الهزء " ربما كان سيؤدي هذا السرد ، لتبني تظاهرة اجتماعية سياسية عادلة ، تلحق الكثير من الهزء ، في نظام قضم أحلامنا ، وقهرها وقضى على كل ما من شأنه ان يجد لنا فرصة ، "لتبادل هزء" اقل إيلاما مما سرده لنا العزيز ياسين .

العزي لم يكن اقل التوغل في الدم ، لكنه كان ، انا ، وانتم جميعا أيها الأصدقاء المخذولين ، وبطريقة معينة صار بوسعكم أن تشربوا الآن نخب تلك الخيبات ، لم نكن ننجز التحضير الجيد منذ ذلك الحين استعدادا لثورة تسقط سلطة عجائز الأحزاب اولاً قبل ان تسقط قوى تحالف القبيلة والعسكر ورجال الدين ، لم نكن ننجز شيء.. سوى الألم من واقع آسن وراكد.

 

***

ما يميز هذا السرد أنه لم يبدأ من القرية إلى المدينة بطبيعة الاندهاش الذي يخلفه ابن القرية عند دخوله المدينة ، لتتوالى وتتوالد الأندهاشات بمرور الوقت ، او كلما لمح مشهدا جديدا ، اعتقد أن اندهاش واصطراع العزي بدت مع عودته للقرية عندما استقبلته بحفاوة ، هكذا يحدث عندما نثق بالمدينة ، المدينة التي تنسلخ مواقفها دون اكتراث بوعودها ، المدينة التي إن حددنا منها موقفا ما استخلفتنا ببدائل طازجة لوعي قروي جديد ، وما إن تفركه و تعركه شوارعها ، جوعها وبردها ، ومواعيد ناسها ومقالبهم الجلادة ، وما إن يصبحوا ضاجين بصخبها ومدركين ومتقبلين لخيانتها ، حتى تتخلى عنهم لتجد آخرين بطزاجة متوالية . أحب المدينة ﻷنها مفتوحة على الحرية وتعدد خياراتها ، ونملك العيش فيها بتعدد مواقفنا وتنوعها ، لكن أعماق وجذور القرية أكثر وفاء وطيبة ، ﻻ تستبدلنا ... وتبقى الأماكن فيها تحفظ شهقتك وتأوهاتك وتأزرك للفرح والخيبة والذكريات الحميمة وبلا ملامسة مائجة ، فالقرية ، حيود شاهقة و متفاوتة الفجيعة ، إذا ما قورنت بخيارات المدينة و سهولة إيجاد وتعدد الحلول ، ولو رضخنا فترة ما لفضيحة واحدة ، إلا أنها في النهاية تجد لك مبررات. في القرية حتى وجع الرأس له وصف ملموس وأكثر هتكا بالوجع والدموع ، وعندما لا يكون للقرية طريق سيارة توصلك للمستشفى ، فأن مرورك بمرضك من قرية مجاورة يتحول ذريعة لكسب تعاطف كبير ، تقتات منه تقديم خدمات مجانية ﻷسأبيع ، في حين ﻻ يكترث أبناء المدينة ، لأنهم يؤثرون تعاطفهم لأمراض آخرين اشد خطورة ، هذا من باب تخيل عذر ، بساطة القرية جديرة بالعيش ، بعيدا عن تداعيات الذهنية التي نلوكها في حضرة أبناء القرية الودودون . وانا ﻻزلت متمسك أن النفاق في القرية والوخز اشد انتشارا من المدينة ، لكن ليس أكثر من نفاق النخب السياسيين ، وخدعهم الحقيرة والمقالب التي يشربها أبناء الريف في الانتخابات مثلا ، او في الاحتجاجات و في المهرجانات التأييديه لسلطة نخب وإعلام المدينة الفاسدين ، هذه إحدى العلامات السيميائية الظاهرة في الرواية. ﻻتعدوا مغامراتنا في القرية حرية كاملة ﻵداء ناجح ، ﻷن ثمة تصفيق كثيف و وفير في المدينة ، بفعل أولوية الأنسنة "كما إنسان أوروبا الذي تكلم عنه الروائي وادعاءه امتلاك سر لا يعلمه الآخرين ، إذ يظن جازما ضرورة إيمانهم بما يضمر"

بالتأكيد ثمة طفولة ملامسة للطبيعة في الريف ، لكن على حساب ضريبة ما يدفعها مستقبل اندهاشه ببلاهة ، أمام واقعة تكنولوجية ثلاثية الأبعاد يجهلها حاضر قروي ، يا أصدقائي كنا أكثر جدية عندما انتقلنا لدراسة الإعدادية في المدينة ، كنا نندهش لمشهد ما او لعبة او مستلزمات منزلية او أجهزة الكترونية عمر ابتكارها يتجاوز مئة عام وبعضها نصف قرن ، وعندما الفنا المشهد كنا مبالغين في توقعاتنا رغم الخيال الجامح لحظة شرود طفولة جميل تضيع بسببه خمس رؤوس غنم لتستحق عقابا قاسيا ثمنا لذلك التأمل ، على العموم ﻻيفصح ياسين في روايته بمضاجعة سطحية كهذه ، إلا أنني موقن تماما أن العزي كان فحل مدهش ، تجاه كائنات ريفية من ذلك النوع ، ومن يستحضر الجنس هنا تحديدا ، فقد عاش اضطهاد وحرمان كافي  للتوقف عن ادعاء الثقافة في مجمل تداعياتها بالحد الذي قرفنا فيه من قراءة فرويد. صحيح ان ثمة روح لزوربا في إفشاء أسرار القرية الجنسية ، لكنها بقدر كافي لإحداث انتعاش واستحضار ما يلزم لسيرة ذاتية مغامرة .

هكذا كان شعوري و أنا أقراء صفحات الرواية الثلاث الواردة بعد عنوان " أشياء ملموسة عليك القيام بها "

***

محمود العبقري ، أجاد بقدرة فائقة توصيف كل حالة على حده ، وفق اشتقاقات لغوية ، خضعت لاختبارات التعري ، ثم اسقط عليها الحالات التي وظفها لصالح السرد ، عمل تم وفق نفسية تأملية وفلسفية وإبداعية ، برع تماما في قراءة بودلير و فلاسفة من طراز كافكا كمثل وروائيين وشعراء عالميين كبار - لانني متأكد ان ياسين لا يعجبه السرد العربي كثيرا - ﻹيجاد آخرين ضمن بنيوية وتفكيك حينا وانطباعية و... في أحايين أخرى ، وبغض النظر عن النصوص النثرية التي بذّخ بها الرواية بجمال كبير ، إلا أنها لم تكن الذهنية التي اكترث بها سرده ، مقارنة بالقضايا والحجج والسلوكيات التي تبهرك طرق احتجازها وانحباسها حصرا ، وضمن احتكار وظيفي ايضا ، ومن ثم كيف استطاع تعميمها في سلوكيات استدعى فيها حركة وصيرورتنا كيمنيين ...؟!.

ومقارنة بالمجتمعات التي خضعت لنقاد وفلاسفة الوجودية والبنيوية والتفكيك والانطباع والتجريد وغيرها ، من المدارس التي فسرت حركة المجتمع وظواهره السلوكية وتفاعلها مع مشاريع عالمية ، وجد ياسين فرصته في مجتمع بكر لم يسبق ان تم تشريحه وفق الأنساق التي عملت على اثراء الفكرة وترك بثورها الخاصة .حسنا ليست اشتقاقات لغوية فحسب وإلا لما استمتعنا بها بهذا الشكل خارج القوالب ، في اعتقادي تم البحث ، لإيجاد ، وظائف لها ، استحضر السياسة والتاريخ والوقائع ، والتجمهر المبهم ، والمعرف بالنكت والأمثال والأمصار ، وقام بقولبة خاصة دون التمادي في استبعاد أي تمظهر حضاري يدعي وجوده ، ياسين يشبه في اشتقاقاته البردوني ، الذكاء والذاكرة والتاريخ ، وفطرة باذخة بتبادل السخرية وخفة الألتقاط ، ومن ثم اخرج كل هذا الهزء "نموذج الخاص " ......!

 

***

 "تبادل الهزء بين رجل وماضيه " هل نعرفها بالرواية ونتوقف ؛ أم نمضي بمسميات أخرى خصوصا وهي الممتلئة بالنثر ، نصا مذهلا ، و أحب التأكيد على ما قلته لكم سابقا ، أنها تتعدى كونها رواية من الطراز العالمي الرفيع ،إذ تتلقف بأناقة مسميات ، تجاه أجناس أدبية ، فكرية ، وفلسفية أخرى ، مع احتفاظها بالنبرة الغنائية نفسها "يتغير الموضوع الظاهر وﻻ يتغير الإيقاع الحزين والعميق " - كما قلت بين التقويس عن مجموعة شعرية اسمها "آخر هزيمة للضوء " للرائع وضاح اليمن عبدالقادر - في هذا السرد تتكاثر المفردات ، ليبدوا لنا الماضي وفير بلحظات انكسارنا ، وحزننا وخيبتنا وخفتنا وسعادتنا وشقاوتنا وشريرنا وقبحنا ، كلها لحظات توالدت كثيرا لتبدوا لنا سوءة الجميع بمن فيهم نحن ، استطعنا عبور ذلك الماضي ، دون استحقاق منطقي للعمل وفق مجاورة معقولة لحلول مآزقنا ، انا اشعر : ان محمود ياسين استطاع ان يلمع معدن الزمان والمكان ، مثخن بلحظات عالجت تكدسات باتجاه الداخل ، و ألحقت الكثير من الألم في إنساننا والكثير من "الهزء" ببلاهة أسست لنفس ذلك الإيقاع.

 

***

عشرة فصول ضمنها الروائي اليمني محمود ياسين في 159 صفحة ، انتهت بتساؤل في جزءها العاشر " ما الذي حدث بالضبط " وأجاب هكذا " انتهى ذلك كله لحساب عزّي جديد «يخزّن» ويبترع ويعرق ويخرج عشاءه من عشاء الذيب"

خاتمة على وجه الدقة لرواية عاشت جدلا وهزء مكتملا ، مع ماضي رجل ، ماضي بحاضر اشد وقعا في القلب ، يحاصرنا بطل الرواية "العزي " ، كما يمني سيمر من هذا الصراط ، وإذا كان لازال بدون ماضي ، فأنه بالتأكيد يبادل هزء حاضر ولو مؤقتا ، لأن اليمني سريعا ما يجد له ماضي يهزئون منه ، ماضي لا يمتلك منه تأثيرات بفعل حرية اختيارنا ، تطرش القرية وتكنسها من ذاتك وعندما تصل المدنية وتلاقي وظيفة ما تشعر بأنه ما احوجك "للشوحطة" وخفته ، على فكرة ليست قرية تلك التي ليس فيها شوحطة وعزي وأمريه وعساكر برواتب ضئيلة يعودوا منكسرين وشيخ متسلط .... بالتأكيد هؤلاء موجودين في المدينة لكن بدون وظائف ....

العيش في "تبادل الهزء بين رجل وماضيه" والاستجابة الفطرية للغرابة والأندهاش والانفعال إجمالا أمر مهم ، خارج السلوكيات الأرستقراطية المليئة ببرستيجها البطيء والحاذق تجاه الفطرة ، ومحاولة النضج الذي يصبح مقحما، لتظهرك كمن يمارس الأشياء وفق مزاجية اقرب لإحالات متعالية على ردود الفعل الطبيعية ، تجاه ما تتطلبه أهمية اللحظة محملة بشعور الفقد ﻷي شيء قد يحدث ويتفاقم حدوثه ، كلما بدوت بطيء ، و غير متناغم لتدارك زمن قد يدفعك لخسران مبين ، نرجع من المدينة إلى القرية ساخرين للغاية محملين بملاحظات ورشتات و أجوبة من يعلم كل شيء عن المثالية ومجتمع افلاطون ، ادعاءات ﻻ أكثر ، يتضح أن المبندق المحتقر لديك ليس سوى صورة واضحة عنه ، نسخة مطابقة لذاته ، ﻻ تدعي وﻻتبالغ ، ﻻبأس بحدة ابن الريف مقارنة بالاستغلال والحياة المضمرة والمتوجسة بشعور الأنا وتضخمها لدى ابن المدينة . دروس تعفينا من ممارسة ادعاء "وهزء" يجعل إنسانك قريبا من الداخل ، محاولة ضد الإجهاز على الجذور والعودة للمنابع أفضل من البقاء في المناهل التي تشعرك بنهاية انسدال ﻻتحمل الأسرار بعمق الأسلاف والأصالة ، ثم أن من الجيد البقاء قربنا هناك ولو بقليل من الجهل الذي يحفل به المدني اﻷكثر قروية..

نعم ...تعلمت من رواية تبادل الهزء هكذا بصراحة حية ، دون محاولة إضافة ما يجعل هذا التأثير وسيط فقط لاختزالات كانت قد نضجت وأصبحت الرواية تتكلم عنا كصوت قديم فينا ، هذا ادعاء مشين ، حتى لو كتبنا كل مصطلحات النقد المتعالية ، الاعتراف كائن يشبهنا كثيرا وناضج وطبيعي ، بينما الادعاء لن يجعلنا سوى قوالب جامدة بروح منتهكة ومغتصبة للغاية.

كم أنت رائع يا صديقي محمود بهذا السرد الممتع والجدير بالاهتمام.

 

متعلقات