علاء توفيق
الحوثيين بين حصار الجغرافيا وحسابات البقاء في الأمن الإقليمي

منذ بداية الضربات الأسرائيلية على ايران في فبراير الماضي، أصبح اليمن في مركز اهتمام للتاثيرات الاقليمية؛ حيث يطل على مضيق باب المندب، وخطوط الملاحة البحرية الدولية نقطة محورية لأي تصعيد في المنطقة والبحر الأحمر. مليشيات الحوثي، ذراع ايران في اليمن، واجهت تعقيدات صعبة؛ إذ ان الاصطفاف مع إيران في مواجهة اسرائيل، سيؤدي إلى توسع المواجهة الإقليمية ،ما يعني الدخول في مواجهة محتملة مع اسرائيل وامريكا، بالإضافة إلى مواجهة مع المملكة العربية السعودية والدول الخليجية، ما قد يقود الحوثيين إلى فقدان السيطرة على مناطق سيطرتهم. بي ذات الوقت، الامتناع عن المشاركة في التصعيد بشكل كامل قد يضعف موقفهم أمام أتباعهم، وهذا يمثل تحدياً للولاء الإقليمي تجاه طهران.

 

قراءة في لعبة الظل:

بالرغم من حدة خطاب قيادات الحوثيين، الذي أقتصر على التضامن مع إيران، إلا أن الفعل الميداني بقي محدودا؛ وفي ظل عدم تسجيل اي هجمات على الملاحة الدولية من اليمن، ولم يسجل أي مشاركة في التصعيد كما هو في السنوات السابقة من كثافة وجرأة العمليات على حركة السفن في البحر الأحمر. هذا التباين بين الخطاب والفعل يشير إلى استراتيجية ، قائمة على الابتزاز والتهديدات والموازنة بين الحفاظ على بقائهم جراء التصعيد. الحوثيون يضعوا أهمية التحكم على مناطق سيطرتهم فوق أي التزام إقليمي، ما يعكس نهجاً عملياً بعيداً عن الانفعالية والولاء لحلفائهم بما يسمى بمحور المقاومة.

وفي ظل التوتر المستمر، حرصت ايران على لسان رئيسها في نفي استهدافها بعض المنشآت الحيوية في دول الخليج، وهو نفي يعكس الرغبة في تجنب تحمل طهران مسؤولية مباشرة، قد تقود إلى مواجهة مفتوحة تتعدى حدود المنطقة كلها. فيما يظل احتمال تنفيذ عمليات محدودة عبر حلفاء طهران خيارا قائماً، مثل ميلشيات الحوثي باليمن أو وميليشيات أخرى في لبنان والعراق مرتبطة بإيران، دون إعلان رسمي. هذا النمط، القائم على فصل التنفيذ عن التبني، يمنح طهران هامش إنكار سياسي، ويتيح لها التأثير دون الانجرار إلى تصعيد مفتوح ومباشر. ومع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة على وقوع مثل هذه العمليات في المرحلة الحالية، ما يجعل هذا الطرح في إطار التحليل المبني على سوابق السلوك، لا على وقائع مثبتة او مدانه.

رسائل النار من خلف الحدود:

من الواضح، أن الضغوط الإقليمية لعبت دور رئيسي في ضبط مشاركتهم، حيث نقلت فنتشنال البريطانية ان المملكة العربية السعودية أبلغت الحوثيين بأن أي مشاركة او تصعيد ضد دول الخليج سيواجه بردود صارمة، وعلى غير العادة، الالتزام بالهدوء كان غريبا على تصرفات الحوثيين. هذه الرسائل أجبرت الحوثيين على إعادة تقييم خياراتهم، وجعلت حماية مواقعهم في مناطق نفوذهم، أولوية لا يمكن المساس بها، مقارنة بأي مغامرة خارجية قد تهدد بقاءهم.

في السابق، أظهرت مليشيات الحوثي قدرتها على ممارسة الضغط دون الانخراط الواسع في المواجهات الكبرى، مستغلة نقاط ضعف خصومها دون المخاطرة بفقدان السيطرة على مواقع نفوذها على الارض. فهجماتها المحدودة في السنوات السابقة، التي شملت استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، أثبتت أن الضغط النوعي على الملاحة والبنية التحتية في دول المنطقة، يمكن أن يحقق أهدافاً سياسية واقتصادية، دون الدخول إلى مواجهة قد تكلفهم مواقعهم أو قوتهم العسكرية. في المرحلة الحالية يتكرر المسار، مع فارق أن أي تحرك خاطئ قد يواجه رداً إقليمياً ودولياً أكثر حزم، نظراً للمواجهة الأخيرة بين إسرائيل وايران.

يظهر التحليل الداخلي لسلوك ميليشات الحوثي وجود تيارين متعارضين؛ التيار الديني العقائدي، الذي يضغط نحو الانخراط في المواجهة، واعتبار أي صمت ضعفاً إمكاناتهم ضمن تحالفهم مع طهران، والتيار البراغماتي الذي يفضل الحفاظ على استمرار نفوذهم وسيطرتهم وتجنب المغامرة في مواجهة قد تقضي على مواقع سيطرتهم. التيار البراغماتي هو المسيطر حالياً، ما يفسر محدودية الفعل الميداني رغم الخطاب الإعلامي العالي. هذه التحولات الداخلية تؤكد أن أي خطاب مليشياوي يجب قراءته بحذر، لأنه قد يخفي استراتيجية مبطنة لإدارة المخاطر، وليس نية حقيقية لتوسيع نطاق الصراع.

إنطلاقا من ذلك، يمكن تصور عدة احتمالات، أولها السيناريو الأكثر احتمالاً فهو استمرار سياسة الحذر والتردد في المواجهة المباشرة، مع احتمال استخدام الطائرات المسيّرة أو الهجمات البسيطة على أهداف محددة مرتبطة بإسرائيل كنوع من تسجيل الموقف، دون فتح جبهة واسعه. السيناريو الثاني، الأقل توقعا لكنه محتمل، يعتمد على حدوث تصعيد واسع لإيران، حيث قد تستخدم الحوثيين والمليشيات في العراق ولبنان كأدوات توسع في المواجهة، خصوصاً في البحر الأحمر وباب المندب وهذا ما أشار له مسؤولين عسكريين إيرانيين بأنهم قد تتغير استراتيجيتها في المواجهة في مضايق أخرى إشارة إلى مضيق باب المندب بعد احكامهم اغلاق جزئي لمضيق هرمز، وهو ما سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على اليمن. السيناريو الثالث مرتبط بالمواجهة الداخلية، إذ قد تستغل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا أي خطأ حوثي لإطلاق عملية تحرير صنعاء وكل اليمن بمساندة وضوء أخضر دولي، وهذا ما أشار له في تصريح الفريق الركن محمود الصبيحي عضو مجلس القيادة الرئاسي ووزير الدفاع السابق، وما أكده مسؤولين عسكريين رفيعين المستوى في الحكومة اليمنية أن هناك مؤشرات جادة في الترتيب لمعركة قادمة تجتث الحوثي، حيث أصبح يشكل تهديداً على أمن المنطقة ومصالح العالم في خط الملاحة والتجارة في البحر الاحمر، في هذه الحالة يصبح أمام الحوثيين أما الجنوح للسلام أو سيأتي السلام بالقوة العسكرية القسرية، ما يجعل الحوثيين أمام خيار البقاء في السلطة أو الانخراط في مواجهة قد تكون الأخيرة لهم.

مليشيات الحوثي عبر سياسة الضغط، تظهر قدرها على التأثير مع الحد الأدنى من التهديدات، لكنها في الوقت نفسه تضع اليمن تحت خطر دائم، وتزيد من صعوبة إيجاد حل سياسي في اليمن. لذا فان أي تحرك دولي أو إقليمي يجب أن يأخذ في الاعتبار هذه الاستراتيجية، مع وضع آليات واضحة للمواجهة وتقديم حوافز مشروعة لتجنب أي تصعيد.

الوضع الإنساني في اليمن يعقد الواقع أكثر، حيث الهجمات المتفرقة على البنية التحتية في اليمن، واستهداف المناطق الاقتصادية والموانئ الحيوية يضع المدنيين في دائرة الخطر الدائم، ويزيد من تعقيد فرص السلام. الحوثيين لم يراعوا المبادئ الإنسانية أو الالتزامات الدولية، وعلى عكس ذلك استخدموا المدنيين كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب استراتيجية. أي دراسة أو تحليل للواقع في اليمن يجب أن يدمج هذا البعد الإنساني ضمن تقييم خطر التهديدات.

اختبار صبر العالم؟

في هذا الاطار، تبرز الحاجة الملحة لتعزيز التحركات الدبلوماسية، عبر سلطنة عمان والمبعوث الأممي لليمن، أو القنوات الدبلوماسية الأخرى، هذا ما يؤكده دبلوماسيين وسياسيين لضمان ضبط دوافع الصراع ومنع الحوثيين من استغلال أي فجوات سياسية أو أمنية لمواصلة أعمالهم الإرهابية التي تستهدف الملاحة الدولية والسفن التجارية في البحر الاحمر. كما يجب على المجتمع الدولي رفع قدراته على مراقبة الملاحة ، وحماية البنية التحتية الحيوية في اليمن، لضمان ألا تتحول اليمن مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، مع حماية المدنيين وتقليل الأضرار الاقتصادية والاجتماعية.

هنا يتضح أن المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران اتخذت خياراً يقيم بين الحفاظ على جغرافيا ونفوذ سيطرتهم في اليمن، مع تجنب أي انخراط مباشر في الصراع الإقليمي، وبين مواجهة قد تكون كارثية على بقائهم وعلى المدنيين في اليمن. سلوكهم الحالي، الذي يتضح في ضبط تحركاتهم العسكرية، مع تجنب أي مواجهات مفتوحة قد تعرض مواقعهم الداخلية للخطر، لا ينبع من حياد سياسي أو ضعف عسكري، بعكس ما هو قراءة لموازين القوى على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، حيث يوازن الحوثيين بين المكاسب والمخاطر، ويختبروا مدى صبر المجتمع الدولي ودول الخليج في آن واحد.

الواقع يظهر أن اليمن، بعد عقد كامل من الصراعات المستمرة، لا يزال رهينة للأجندات الدولية وأدوات الحرب الإقليمية غير المباشرة. يستخدم الحوثيين اليمن كورقة ضغط، بينما يدفع اليمنيين ثمن هذه السياسة وإرهابها الدائم، من تدمير البنى التحتية إلى تهديد الملاحة البحرية، وصولاً إلى فرض ظروف اقتصادية قاسية على المواطنين. فكل قرار يتخذه الحوثيين يضع اليمن أمام تحديات وتهديدات مستمرة، وهذا ما يؤكد أن أي تحليل سياسي لا يمكنه الفصل بين الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية والإنسانية.

وهنا يتبين أن سلوك يعكس قدرتهم على توظيف الصراع من خلال الضغط الجزئي والانخراط المحدود والغير معلن إن لزم الأمر، مع الفصل الواضح بين الخطاب الإعلامي والفعل الميداني. اليمن يبقى تحت تهديد دائم، إذ أن أي خطوة خاطئة أو توسع في المواجهة الإقليمية قد يكون له آثار كارثية على المدنيين والبنية التحتية في اليمن. يبقى السؤال؛ كم يمكن لهذا التوازن أن يصمد إذا تغير مسار الحرب بشكل مفاجئ عما قريب؟