سمير عبدالإله
تعز في قلب التحولات الإقليمية قراءة في المشهد وتداعياته

في ظل التحولات المتسارعة في الإقليم، لم تعد المدن تُقاس فقط بحدودها الجغرافية، بل بموقعها في خرائط المصالح والتأثير. وتعز، بما تحمله من ثقل سكاني وموقع قريب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، تبدو وكأنها تتحرك بهدوء داخل مشهد أكبر منها.

 

خلال الفترة الماضية، برزت تحركات لافتة لمحافظ المحافظة الأستاذ نبيل شمسان، كان من أبرزها توقيع اتفاقية شراكة مع محافظة جيبوتي، إلى جانب لقاءات مع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، وهي خطوات قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها إشارات سياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار المحلي. فجيبوتي تمثل نقطة ارتكاز دولية مطلة على باب المندب، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والتجارية الكبرى، وأي انفتاح عليها يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الربط الإقليمي في هذه المرحلة.

 

تعز، وإن لم تكن ساحة مباشرة للصراع الدولي، إلا أنها تقع ضمن نطاق التأثير غير المباشر لهذا الصراع. فالقرب من باب المندب يمنحها حساسية خاصة، حيث يشكل هذا المضيق شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، ومحورًا للتنافس بين القوى الكبرى. ومع تصاعد التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يصبح كل ما يحيط بهذا الممر محل اهتمام ومتابعة دقيقة.

 

من هنا، يمكن قراءة التحركات المحلية في تعز باعتبارها محاولة لتعزيز موقع المحافظة ضمن المعادلة الإقليمية، وفتح قنوات تواصل تساهم في تخفيف العزلة، واستباق أي تداعيات محتملة للصراع. فهي ليست انخراطًا في الحرب، بقدر ما هي محاولة تموضع ذكي في بيئة مضطربة.

 

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت تعز في قلب الحرب، بل كيف يمكن لها أن تتجنب أن تكون ساحة لها. فالإدارة الواعية، والانفتاح المدروس، وبناء الشراكات الإقليمية، كلها أدوات قد تُمكّن تعز من حماية نفسها، وتحويل موقعها من نقطة تهديد إلى فرصة.

 

في المحصلة، تعز ليست طرفًا في الصراع الدولي، لكنها ليست بعيدة عن تأثيراته. وبين هذا وذاك، يتحدد دورها بمدى قدرتها على قراءة المشهد، والتعامل معه بواقعية واتزان، بعيدًا عن الانجرار، وقريبًا من تحقيق مصالحها واستقرارها.