منذُ ديسمبر الماضي، حدثت تحولات دراماتيكية كبيرة وعجيبة في المشهد الوطني والإقليمي بشكل مفاجئ، قلبت قوة السيطرة الجيوسياسية في اليمن؛ بدايةً من اتجاه المجلس الانتقالي الجنوبي، ممثلاً برئيسه عيدروس الزبيدي، لشن عملية عسكرية على وادي حضرموت ومحافظة المهرة، اسمها "المستقبل الواعد"، وذلك لفرض السيطرة المطلقة لقواته على ما تبقى من المحافظتين بدعمٍ إماراتي، وهو ما أسماه رئيس مجلس القيادة بـ"الإجراءات الأحادية"، لكنه لقي مقاومة قبلية وعسكرية من حلف قبائل حضرموت وقواته.
ثم إعلان الزبيدي لـ"دستور دولة الجنوب العربي"، تدخل الطيران الحربي السعودي بقيادة "تحالف دعم الشرعية"، وإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وإخراج قواتها ومنتسبيها من الأراضي اليمنية، وإعلان حالة الطوارئ، واستلام قوات درع الوطن المعسكرات في المحافظات الشرقية وإعادة تموضعها فيها، ثم إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي في مجلس القيادة بتهمة "الخيانة العظمى" واختفائه الغامض، وإعفاء عددٍ من الوزراء والقيادات العسكرية والمدنية من مناصبها، وصولاً إلى وصول "درع الوطن" إلى العاصمة المؤقتة عدن لاستكمال تأمين المحافظات المحررة وبسط سيطرة الدولة، وإجراء تغييرات في عضويات مجلس القيادة وتشكيل الحكومة الجديدة.
كل ما ذُكر أعلاه -دون الأول- حدث بقرارات من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، كردع للتحركات الأخيرة للانتقالي الجنوبي وفرض "هيبة الدولة وتعزيز مركزها القانوني". هذه القرارات أظهرت العليمي لدى المواطنين بشخصية مختلفة عمّا عرفوه عنه سابقًا؛ كانوا قد فقدوا الثقة به وبقدراته لقيادة المرحلة، وتشكلت في الشارع اليمني عامة والتعزي خاصة صورة ذهنية عنه لا تتناسب مع من في منصبه.
لقيت قرارات الرئيس ترحيباً شعبياً واسعاً، حيث قمنا بهذا الاستطلاع برصد آراء المواطنين في مدينة تعز حول هذه القرارات ونظرتهم لها من خلال الإجابة على بعض الأسئلة المحورية المتعلقة بالقرارات الرئاسية، ورأي المواطنين بسلامتها ومدى ثقتهم بالقيادة، وهل اتضح لهم أشياء لم يعوها من قبل؟ هل تبدلت آراؤهم بعد هذه التحولات؟ ما مدى ثقتهم بأهليته في قيادة البلاد خلال المرحلة الراهنة؟
وفي قدرة العليمي على قيادة المرحلة، يقول المواطن عميد عارف: "العليمي شخصية أكاديمية ذات خبرة طويلة في العمل الحكومي بحكم المناصب التي شغلها سابقًا"، واصفًا إياه بـ"رجل الدولة الحقيقي في الوضع الراهن"، لكن عميد يرى أن النهوض بالبلاد لا يرتبط بـ"شخص الرئيس" وحده، بل يحتاج إلى "انسجام" أعضاء مجلس القيادة مع بعضهم، وتكامل أداء الحكومة، بشرط توفر "الإرادة السياسية".
بدوره، المواطن شعيب عبدالله وصف قرار إسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي بأنه "أفضل" قرار اتخذه العليمي، معتبراً هذه الخطوة "حجر أساس إنهاء الفساد، وتقوية 'الوحدة اليمنية'، وفرض نفوذ الدولة في المحافظات المحررة".
تختلف وجهات النظر دائماً، فالاختلاف وُلد مع نشأة الكون، والناس تقف ما بين مؤيدٍ ومعارض، وهكذا بالنسبة لقرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي؛ هناك من أيدها كلها، ومن أيد بعضها ورأى عكس الصواب في بعضها الآخر. المواطن نادر أحمد يرى أن قرار العليمي بتشكيل لجنة عسكرية عليا لإعادة هيكلة وقيادة القوات المسلحة اليمنية كان "قراراً سليماً"، لكنه انتقد جزئية تسليم زمام القيادة لـ"تحالف دعم الشرعية"، ووصفها بأنها "غير مناسبة أبداً".
وعن عودة الحكومة إلى العاصمة عدن، سألتُ بعض المواطنين: ماذا يتوقعون منها ومن رئيس مجلس القيادة؟ فأجاب البعض: "المتوقع هو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة صناعة الاستقرار"، ومثّل هذا الرأي شريحة واسعة من المواطنين. بينما رأى البعض منهم أن عودة الحكومة ينبغي أن تتبعها خطوات تنفيذية "واضحة"، ويتم "تفعيل" مؤسسات الدولة و"ضبط" الإيرادات العامة و"توريدها" إلى البنك المركزي.
شمل الاستطلاع عدداً من العسكريين في المحافظة، حيث اتفقوا جميعاً على أنهم ينتظرون من الرئيس "توحيد" القرارين العسكري والأمني تحت "مظلة الدولة"، وتحريك "المسار السياسي" بما يضمن تسوية "عادلة وشاملة"، وأن النتائج هي الحاكم الوحيد، وأي نجاح يقاس بمدى تحسن "الواقع المعيشي"، واستعادة ثقة "الداخل والدعم الخارجي"، و"وضع أسس دولة قانون ومؤسسات".
كثيرٌ من الناس الذين رصدنا رأيهم أشادوا بالقرار "الحازم" الذي اتخذه رئيس مجلس القيادة بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات وإخراجها من اليمن، حيث اعتبروا أن إخراج الإمارات من اليمن كان السبب الرئيسي الذي جعلهم يعيدون التفكير بـ"شخصية الرئيس" وأهليته للقيادة، وأعاد ثقتهم به كقائد للمرحلة.


