شهدت خريطة النشر الفرنسية في السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في تعاطيها مع الأدب العربي، حيث انتقلت من مرحلة "الاحتكار التاريخي" إلى فضاء المنافسة المفتوحة والشراكات العابرة للحدود. ورغم هذا الانتعاش الظاهري، لا تزال لغة الأرقام تكشف عن فجوة عميقة بين حجم الإنتاج الإبداعي العربي ومساحة حضوره في "عاصمة التكريس" باريس.
لم تعد دار سندباد"، التي يقودها الناشر السوري فاروق مردم بيه منذ عقود، هي النافذة الوحيدة للأدب العربي في فرنسا؛ إذ دخلت دور نشر كبرى مثل "غاليمار" و"غراسيه" وبايار حلبة المنافسة لاستقطاب المواهب العربية الشابة.
ويعد انطلاق مجموعة "خمسة" في أكتوبر 2023 —وهي شراكة بين دار "فيليب ري" الباريسية و"برزخ" الجزائرية— نقطة تحول استراتيجية؛ حيث تخصصت في ترجمة أدب المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، وليبيا)، وأثمرت سريعاً عن تتويج الرواية التونسية "الكارثة بيت النبلاء" لأميرة غنيم بجائزة الأدب العربي لعام 2024.
وفقاً لأحدث البيانات الثقافية لعام 2025، يظهر المشهد تناقضاً بين النمو والواقع حصة الترجمة تمثل الكتب المترجمة نحو 20% من إجمالي الإنتاج الفرنسي و نصيب العربيةلا يتجاوز 0.9% من مجمل العناوين المترجمة، وهو ما يعادل نحو 116 عنواناً سنوياً، وسجلت مبيعات كبار الكتاب (مثل نجيب محفوظ) تراجعاً من 10 آلاف نسخة إلى نحو 1500 نسخة، مما يعكس انكماشاً في شهية القارئ الفرنسي تجاه الآداب الأجنبية بشكل عام.
وقد برزت أسماء عربية فرضت حضورها بقوة في المشهد الفرنسي، أبرزها ، ناصر أبو سرور الكاتب الفلسطيني الذي نال جائزة الأدب العربي 2025 بإجماع الآراء عن روايته "حكاية جدار" الصادرة عن "غاليمار"، بعد تحرره من سجون الاحتلال في أكتوبر 2025 والكاتبة عدانية شبلي التي تحولت روايتها "تفصيل ثانوي" إلى ظاهرة دولية بعد ترجمتها لدى "سندباد/أكت سود" ، وسعيد خطيبي ومحمد الناعس ، اللذان قدما نماذج سردية تجمع بين التاريخ السياسي والتشويق البوليسي، مما جعلهما رهاناً ثابتاً للناشر الفرنسي.
يعود الفضل في هذا الحراك إلى جيل جديد من المترجمين الذين ورثوا شعلة الرواد؛ أمثال ستيفاني دوجول، ولطفي نية المتخصص في الأدب المغاربي، وصواد لبيزة الفائزة بجائزة "ابن خلدون - سنغور" للترجمة. هؤلاء المترجمون لم يعودوا مجرد ناقلين للغة، بل صاروا "جسوراً" تسعى لردم الهوة الثقافية.
رغم هذا الزخم، يواجه الأدب العربي معضلة "المصفاة الثقافية"؛ حيث يرى نقاد أن دور النشر الفرنسية تميل غالباً لاختيار النصوص التي تكرس الصورة النمطية للعالم العربي (الحرب، الديكتاتورية، اضطهاد المرأة، أزمات الهوية)، بينما تواجه النصوص التي تنشغل بالأسئلة الجمالية الصرفة أو الفلسفية صعوبة في الاختراق.
تظل باريس "مختبراً للتكريس" يمنح الكاتب العربي رأسمالاً رمزياً يفتح له أبواب الترجمة للغات أخرى، لكنها تظل علاقة محكومة بـ "سلم قيم ضمني" يقيس قيمة النص بمقدار ما يلبي فضول القارئ الغربي، لا بما يمثله النص في سياقه الأصلي.


