المعرفة الميّتة - محمد البكري
فضاءات المستقبل
ماذا نعني بالمعرفة الميّتة؟
لا تُشير المعرفة الميّتة إلى غياب المعرفة، بل إلى حضورها الشكلي وغيابها الوظيفي. إنها معرفة مُخزّنة محفوظة مُكرّرة، لكنها فقدت قدرتها على الإنتاج أو التفسير أو التغيير الفعلي للسلوك والفهم.
هي معرفة لا تُستخدم إلا كأثرٍ لغوي أو امتحاني أو طقوسي دون أن تتحول إلى أداة تفكير حيّة.
يمكن القول إنها معرفة بلا حياة معرفية، فهي تُستدعى عند الحاجة للنجاح في امتحان مدرسي. أو لإثبات الانتماء إلى جماعة. أو لتأدية دور اجتماعي، لكنها لا تُمارَس كطريقة في رؤية العالم أو التواصل الفاعل مع الآخرين.
لعلَّ أبرز مثال يمكن أن يُساق على ذلك، ما يمارسه معظم الأكاديميين ولا سيما الذين يشتغلون في العلوم الإنسانية؛ فهم يحدًثون طلبتهم عن أحدث النظريات العلمية وأحدث المفاهيم الفلسفيةوالسوسيولوجية والنفسية...إلخ. ولكنهم يعيشون مستلبين أمام سلطة القبيلة يتماهون مع منظومتها حتى على حساب القانون. ويمتثلون لكل ما تمليه القبيلة وتورثه حتى في أبسط التفاصيل؛ خوفاً من أن يُغضبوا القيم المتوارثة أو يخرقوا الأعراف والعادات والتقاليد مهما كانت غير معقولة أو ظالمة.
حجة هؤلاء النظريين ببساطة، يلخصونها في قولهم: إننا نعيش في ثقافة سلطتها أقوى من معرفتنا ومن تطلعاتنا.
لا يعترفون بكونهم متواطئين على تكريسها وأنهم لم يحاولوا تغييرها ولو على مستوى ممارساتهم وعلاقاتهم!
المعرفة الميّتة تمثل انقطاعاً بين المعرفة كتمثيل وتقريب والمعرفة كفعل وتمثّل.
في التصور الكلاسيكي، يقال إن المعرفة هي اعتقاد صادق مبرر، لكن هذا التعريف يتجاهل سؤالاً حاسماً: هل تُمارس هذه المعرفة؟ وهل تُنتج فهماً جديداً أم تبقى عند حدود التكرار والاجترار والقيل والقال؟
المعرفة الميّتة هي معرفة فقدت الفاعلية ولم يبقَ من دعوى أنها معرفة سوى تلك المعلومات التي تُلقّن أو تردد على سبيل الاستعراض أو التباهي بسعة الاطلاع.
كذلك من المعرفة الميتة كثيرّ مما يقال في المدارس والجامعات، فعلى سبيل المثال قد يعرف الطالب قانوناً في الفيزياء دون أن يستطيع تفسير ظاهرة واقعية به.
قد يحفظ الباحث نظريات فلسفية دون أن ينتج بها إشكالاً جديداً.
قد تُستظهر المفاهيم دون أن تتحول إلى أدوات تحليل.
هنا يحدث انفصال بين المعرفة كمعلومات ورموز والمعرفة كرؤية وعلاقة مع العالم.
وهذا الانفصال هو جوهر الموت الابستمولوجي للمعرفة.
يمكن تشبيه الأمر بلغة محفوظة في القواميس لكنها غير مستعملة في الحياة، فهي سليمة نحوياً لكنها ميتة دلالياً وتداوليا.
المعرفة الميّتة ليست خللاً فردياً، بل إنتاجاً مؤسسياً منظماً.
تنتجها أنظمة التعليم عندما تتحول إلى
آلة امتحانات لا آلة تفكير.
آلة تلقين معيارية بدل بحث تساؤلي ينشد الفهم والتغيير.
في هذا السياق، تصبح المعرفة وسيلة للفرز الاجتماعي أكثر من كونها أداة للفهم.
أي أن وظيفتها الأساسية تتحول من الإدراك إلى الانتقاء.
هنا تتجلى مفارقة عميقة، فكلما زادت كفاءة النظام السائد في قياس المعرفة، زادت احتمالية إنتاج معرفة ميتة.
لأنَّ هذا النوع من القياس يميل إلى ما هو قابل للحفظ والتلقين والترديد، وهو بحدود هذا المستوى
قابل للتصحيح السريع
قابل للتنميط والتوحيد وتعميم الشعور بالتجانس.
بينما المعرفة الحية تداولية وسياقية وإنتاجية وغير قابلة للاختزال أو التنميط.
وهكذا، تُكافأ المعرفة الميتة؛ لأنها ممتثلة للنظام السائد، بينما تُهمَّش المعرفة الحية لأنها مزعجة له.
المعرفة الميتة ترتبط بآليات التعلم السطحي، مثل الحفظ الآلي دون شرط الفهم، وهي تفصل بين الذاكرة والمعنى. وتعمل على تقليل القلق عبر اليقين الزائف.
الفرد هنا لا يسعى إلى الفهم بقدر ما يسعى إلى تقليل المخاطر النفسية، وهو يخاف من الفشل والخطأ بحسب معايير المؤسسة التعليمية وبصرف النظر عما يلمسه من فصام بين ما يعرف وما يُمارس.
لذلك، تتحول المعرفة إلى ما يشبه درعاً نفسياً، فهي معلومات تُحفظ لتُقال، لا لتُفهم أو لتُجرَّب أو تساءل، وهي مقولات
تُستدعى لا لتُستخدم أو لتُمتحن معقوليتها أو جدواها.
هذا النمط ينتج ما يمكن تسميته بالاطمئنان المعرفي الزائف.
أي شعور داخلي بالامتلاك المعرفي رغم غياب القدرة على التطبيق أو التحليل.
ومع الزمن، ينفصل الفرد عن فعل التفكير نفسه، ويصبح ناقل معلومات، لا مُنتج معنى أو صانع رؤية.
عموماً، يمكن تحديد ثلاثة أمور رئيسية تؤدي إلى موت المعرفة، وأولها التشييء حيث
تحول المفاهيم إلى أشياء جامدة منفصلة عن سياقاتها. وثانيها، الحفظ دون استعمال، حيث تُختزل المعرفة في الذاكرة قصيرة الأمد المرتبطة بالامتحانات المدرسية. وثالثها، الانفصال عن المشكلات الحقيقية، أي فقدان العلاقة بين المعرفة والأسئلة الواقعية التي أنتجتها أصلاً.
أما المفارقة فهي أن المعرفة الميتة قد تبدو أكثر حضوراً وانتشاراً من المعرفة الحية.
فهي أسهل تدريساً وأسهل تصنيفاً،
بينما المعرفة الحية،
تحتاج نقداً مستمرا، وإعادة بناء باستمرار.
لذلك، قد يصبح النظام التعليمي أو الثقافي ممتلئاً بالمعلومات، لكنه فقير في الفهم إن لم يكن متواطئاً على تكريس الجهل.
إنَّ إحياء المعرفة لا يتم بإضافة معلومات جديدة، بل بإعادة ربط المعرفة بالفعل والفهم والسياق.
أي تحويلها من محفوظات إلى أسئلة، ومن إجابات جاهزة إلى أدوات تفكير، ومن رموز جامدة إلى عمليات عقلية وممارسات.
المعرفة الحية ليست ما نملكه، بل ما نعجز عن امتلاكه نهائياً لأننا نعيد إنتاجه باستمرار.
أما المعرفة الميتة، فهي ما نظنه ملكاً لنا بينما هو في الحقيقة مجرد أثرٍ لُغوي ساكن في الذاكرة.
 
متعلقات