دراسة للخبير "الفودعي": مزادات البنك المركزي باليمن ضخت 2.3 مليار دولار بأثر محدود في استقرار الريال
2026/08/18 - الساعة 09:33 مساءاً
المستقبل ٲونلاين
نشرت مجلة الدراسات الاجتماعية بجامعة العلوم والتكنولوجيا دراسة أكاديمية جديدة للباحث والخبير الاقتصادي وحيد عبد الكريم الفودعي، تناولت تجربة مزادات العملة الأجنبية التي نفذها البنك المركزي اليمني في عدن خلال الفترة من نوفمبر 2021 وحتى يوليو 2025، وقدمت تحليلًا واسعًا لفاعلية واحدة من أبرز أدوات التدخل النقدي التي استخدمها البنك المركزي خلال سنوات الحرب والانقسام النقدي.
وجاءت الدراسة، المنشورة في المجلد 32، العدد 8 لسنة 2026، بعنوان: «مزادات البنك المركزي اليمني في عدن وأثرها في سعر الصرف للمُدَّة (2021–2025م)»، واعتمدت على قاعدة بيانات تفصيلية شملت 128 مزادًا، إلى جانب سلسلة زمنية شهرية منتظمة من 45 مشاهدة، في محاولة لقياس الأثر الفعلي للمزادات في سعر الصرف بعيدًا عن الانطباعات العامة والتقييمات القائمة على حركة السوق وحدها.
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة من كونها لا تقتصر على اختبار العلاقة بين المزادات وسعر الصرف، بل توثق بصورة تفصيلية كامل تجربة المزادات خلال مدة الدراسة، من حيث المبالغ المعروضة والعطاءات المقدمة والمقبولة، وأسعار المزاد والسوق الموازية، ومستويات المشاركة المصرفية، والفجوات السعرية، بما يجعلها قاعدة مرجعية يمكن الاستناد إليها في دراسات لاحقة تتناول السياسة النقدية وسوق الصرف وتمويل الواردات والقطاع المصرفي اليمني.
وكشفت الدراسة أن إجمالي المبالغ التي عرضها البنك المركزي عبر المزادات بلغ نحو 3.735 مليار دولار، في حين بلغت قيمة العطاءات المقدمة نحو 2.432 مليار دولار، منها قرابة 2.297 مليار دولار عطاءات مقبولة، وبنسبة قبول بلغت 94.44% من إجمالي العطاءات المقدمة.
وأظهرت النتائج استمرار فجوة بين أسعار المزادات والسوق الموازية، بلغ متوسطها نحو 38.35 ريالًا للدولار، ونتج عنها فارق سعري تراكمي تقديري بلغ نحو 81.87 مليار ريال، وهو ما عدّته الدراسة مؤشرًا على ارتفاع كلفة التدخل مقارنة بالأثر المحدود الذي تحقق في استقرار سعر الصرف.
ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن أسعار المزادات تحركت بدرجة كبيرة في اتجاه السوق الموازية، بدلًا من أن تتحول إلى مرساة مستقلة قادرة على توجيه السوق، كما أصبحت بيانات المزادات المتعلقة بالسعر والحجم والتوقيت ضمن المؤشرات التي يسترشد بها المتعاملون في تكوين توقعاتهم تجاه حركة سعر الصرف.
وأخضعت الدراسة العلاقة بين قيمة المزادات وسعر الصرف لاختبارات قياسية؛ وأظهرت النتائج عدم وجود أثر ذي دلالة إحصائية للتغير في قيمة المزادات في تغير سعر الصرف عند مستويي الدلالة 5% و10%، إذ بلغت القيمة الاحتمالية (p = 0.106)، فيما لم يفسر النموذج سوى نحو 6.1% من التغيرات في سعر الصرف.
وتشير هذه النتيجة إلى أن تحركات سعر الصرف في اليمن كانت محكومة بمجموعة أوسع من المحددات السياسية والاقتصادية والمؤسسية وتدفقات النقد الأجنبي وتوقعات المتعاملين، الأمر الذي حدّ من قدرة المزادات، بوصفها أداة منفردة، على إحداث أثر مستقل ومستدام في السوق.
ولم تغفل الدراسة الجوانب الإيجابية للتجربة، إذ رصدت للمزادات مكاسب تشغيلية ومؤسسية عند تطبيقها، تمثلت في تعزيز شفافية تخصيص النقد الأجنبي، واستخدام منصة إلكترونية دولية، وتوفير أداة للبنك المركزي لسحب جزء من السيولة المحلية والتدخل في سوق الصرف، لكنها خلصت إلى أن هذه المكاسب لم تكن كافية لتحقيق استقرار مستدام في ظل القيود الهيكلية والمؤسسية المحيطة بالاقتصاد اليمني.
كما توقفت الدراسة عند انتقال السياسة النقدية في عام 2025 من المزادات إلى تنظيم وتمويل الواردات وربط الحصول على النقد الأجنبي بالطلب التجاري الفعلي، معتبرة أن هذه الخطوة تعكس تحولًا من التركيز على مجرد ضخ العملة الأجنبية إلى إدارة مصادر الطلب عليها وتحسين كفاءة تخصيصها.
وأوصت الدراسة بعدم الاعتماد على مزادات العملة الأجنبية بوصفها أداة رئيسة لاستهداف سعر الصرف، وإعطاء الأولوية لتنظيم الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي وربطه بتمويل الواردات ذات الأولوية، وتقليص الفجوات بين أسعار التدخل الرسمية وأسعار السوق، وتعزيز الرقابة السابقة واللاحقة على تخصيص العملات الأجنبية، إلى جانب بناء إطار مؤسسي متكامل لإدارة سوق الصرف.
كما دعت إلى مراعاة الطبيعة متعددة المحددات لسعر الصرف عند تصميم السياسات النقدية، وعدم تقييم أي أداة تدخل بمعزل عن المتغيرات السياسية والمالية والمؤسسية وتدفقات النقد الأجنبي، فضلًا عن توسيع الدراسات المستقبلية نحو نماذج قياسية متعددة المتغيرات متى توافرت بيانات شهرية موثوقة ومتجانسة.
ويعمل الباحث وحيد عبد الكريم الفودعي باحثًا في العلوم المالية والاقتصادية، وتأتي الدراسة ضمن اهتماماته البحثية بالسياسة النقدية والقطاع المصرفي وسعر الصرف وأداء البنك المركزي اليمني.
وتشكل الدراسة، بما تجمعه بين التوثيق التفصيلي لـ128 مزادًا والتحليل الوصفي والقياس الاقتصادي، إضافة مهمة إلى الأدبيات المحدودة التي تناولت أدوات التدخل النقدي في اليمن، كما توفر مادة بيانات واسعة يمكن للباحثين والمهتمين الرجوع إليها وإعادة توظيفها في دراسات لاحقة حول الاقتصاد والقطاع المالي اليمني.
متعلقات


